أبي الفرج الأصفهاني
24
الأغاني
يردّه ؛ فقيل له : قد كبر وضعف واحتاج ؛ فأذن له أن يدخل كلّ جمعة فيسأل ويرجع إلى مكانه . وكان هيت مولى لعبد اللَّه بن أبي أميّة بن المغيرة المخزوميّ ، وكان طويس له ؛ فمن ثمّ قيل [ 1 ] الخنث . وجلس يوما فغنّى في مجلس فيه ولد لعبد اللَّه بن أبي أمية : تغترق الطرف وهي لاهية إلى آخر البيتين ؛ فأشير إلى طويس أن اسكت ؛ فقال : واللَّه ما قيل هذان البيتان في ابنة غيلان بن سلمة وإنما هذا مثل ضربه هيت في أمّ بريهة ؛ ثم التفت إلى ابن عبد اللَّه فقال : يا بن الطاهر ، أوجدت عليّ في نفسك ؟ أقسم باللَّه قسما حقا لا أغنّي بهذا الشعر أبدا . ضافه عبد اللَّه بن جعفر فأكرمه وغناه : قال إسحاق وحدّثنا أبو الحسن الباهليّ الراوية عن بعض أهل المدينة ، وحدّثنا الهيثم بن عديّ والمدائنيّ ، قالوا : / كان عبد اللَّه بن جعفر معه إخوان له في عشيّة من عشايا الربيع ، فراحت عليهم السماء بمطر جود فأسال [ 2 ] كلّ شيء ؛ فقال عبد اللَّه : هل لكم في العقيق ؟ - وهو متنزّه أهل المدينة في أيام الرّبيع والمطر - فركبوا دوابّهم ثم انتهوا إليه فوقفوا على شاطئه وهو يرمي بالزّبد مثل مدّ الفرات ، فإنهم لينظرون إذ هاجت السماء ، فقال عبد اللَّه لأصحابه ليس معنا جنّة نستنجنّ بها وهذه سماء خليقة أن تبلّ ثيابنا ، فهل لكم في منزل طويس فإنه قريب منا فنستكنّ فيه ويحدّثنا ويضحكنا ؟ وطويس في النّظَّارة يسمع كلام عبد اللَّه بن جعفر ؛ فقال له عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت : جعلت فداءك ! وما تريد من طويس عليه غضب اللَّه : مخنّث شائن لمن عرفه ؛ فقال له عبد اللَّه : لا تقل ذلك ، فإنه مليح خفيف لنا فيه أنس ؛ فلما استوفى طويس كلامهم تعجّل إلى منزله فقال لامرأته : ويحك ! قد جاءنا عبد اللَّه بن جعفر سيد الناس ، فما / عندك ؟ قالت : نذبح هذه العناق [ 3 ] ، وكانت عندها عنيّقة قد ربّتها باللبن ، واختبز خبزا رقاقا ؛ فبادر فذبحها وعجنت هي . ثم خرج فتلقّاه مقبلا إليه ؛ فقال له طويس : بأبي أنت وأمي ؛ هذا المطر ، فهل لك في المنزل فتستكنّ فيه إلى أن تكفّ السماء ؟ قال : إياك أريد ؛ قال : فامض يا سيدي على بركة اللَّه ، وجاء يمشي بين يديه حتى نزلوا ، فتحدّثوا حتى أدرك الطعام ، فقال : بأبي أنت وأمي ، تكرمني إذ دخلت منزلي بأن تتعشّى عندي ؛ قال : هات ما عندك ؛ فجاءه بعناق سمينة ورقاق ، فأكل وأكل القوم حتى تملَّئوا [ 4 ] ، فأعجبه طيب طعامه ، فلما غسلوا / أيديهم قال : بأبي أنت وأمي ، أتمشّى معك وأغنّيك ؟ قال : افعل يا طويس ؛ فأخذ ملحفة فأتزر بها وأرخى لها ذنبين ، ثم أخذ المربّع [ 5 ] فتمشّى وأنشأ يغنّي : يا خليلي نابني سهدي لم تنم عيني ولم تكد كيف تلحوني [ 6 ] على رجل آنس تلتذّه كبدي
--> [ 1 ] كذا في ط ، ء ، ح . وفي سائر النسخ : « قيل الخنث » . [ 2 ] كذا في أغلب النسخ . وفي ب ، س ، ح : « فانسال » ولم نجد هذه الكلمة في كتب اللغة . ولعلها محرفة عن « فانثال » بمعنى تتابع وانصب . [ 3 ] العناق وزان سحاب : الأنثى من ولد المعز . [ 4 ] تملئوا : امتلئوا من كثرة الأكل . [ 5 ] المربع : آلة من آلات الطرب ، يريد دفه لتربيعه كما سيأتي وصفه بذلك بعد في ص 37 من هذا الجزء . [ 6 ] لحاه يلحوه ويلحاه ( من بابي نصر وفتح ) : لامه وعذله .