أبي الفرج الأصفهاني

226

الأغاني

قدم المدينة قادم من مكَّة فدخل على عائشة بنت طلحة ، فقالت له : من أين أقبل الرجل ؟ قال : من مكَّة ، فقالت : فما فعل الأعرابيّ ؟ فلم يفهم ما أرادت ، فلما عاد إلى مكَّة دخل على الحارث ، فقال له : من أين ؟ قال : من المدينة ، قال : فهل دخلت على عائشة بنت طلحة ؟ قال : نعم ، قال : فعمّاذا سألتك ؟ / قال : قالت لي : ما فعل الأعرابيّ ؟ قال له الحارث : فعد إليها ولك هذه الراحلة والحلة ونفقنك لطريقك وادفع إليها هذه الرقعة ، وكتب إليها فيها : صوت من كان يسأل عنا أين منزلنا فالأقحوانة [ 1 ] منا منزل قمن [ 2 ] إذ نلبس العيش صفوا ما يكدّره طعن الوشاة ولا ينبو بنا الزمن قال إسحاق : وزادني غير كلثوم فيها : ليت الهوى لم يقرّبني إليك ولم أعرفك إذ كان حظَّي منكم الحزن غنّى في هذه الأبيات ابن محرز خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق ، وذكر يونس أن فيها لحنا ولم يجنّسه ، وذكر عمرو أن فيه لبابويه ثاني ثقيل بالبنصر . غضب على الغريض ثم رق له وغناه الغريض في شعره : أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن محمد بن سلَّام ، قال : لما ولَّى عبد الملك بن مروان الحارث بن خالد المخزوميّ مكَّة بعث إلى الغريض فقال له : لا أرينّك في عملي [ 3 ] ، وكان قبل ذلك يطلبه ويستدعيه فلا يجيبه ، فخرج الغريض إلى ناحية الطائف ، وبلغ ذلك الحارث فرقّ له فردّه وقال له : لم كنت تبغضنا وتهجر شعرنا ولا تقربنا ؟ قال له الغريض : كانت هفوة من هفوات / النفس ، وخطرة من خطرات الشيطان ، ومثلك وهب الذنب ، / وصفح عن الجرم ، وأقال العثرة ، وغفر الزّلَّة ، ولست بعائد إلى ذلك أبدا ؛ قال : وهل غنيّت في شيء من شعري ؟ قال : نعم ، قد غنّيت في ثلاثة أصوات من شعرك ، قال : هات ما غنّيت ، فغنّيت : صوت بان الخليط فما عاجوا ولا عدلوا إذ ودّعوك وحنّت بالنوى [ 4 ] الإبل

--> [ 1 ] الأقحوانة : موضع قرب مكة . قال الأصمعيّ : هي ما بين بئر ميمون إلى بئر ابن هشام . [ 2 ] القمن ( بالتحريك ) : الخليق والجدير كالقمن ( بكسر الميم ) إلا أن الأوّل لا يثني ولا يجمع ولا يؤنث ، لأنه مصدر وصف به بخلاف الثاني فإنه نعت ، ويعدّى بالباء ومن ، يقال : هو قمن به ومنه ، وهذا المنزل لك موطن قمن أي جدير أن تسكنه . ويحتمل أن يكون « قمن » في البيت بمعنى قريب . [ 3 ] في عمل أي في البلد الذي تحت حكمي . [ 4 ] في أ : « وراحت بالدمى » .