أبي الفرج الأصفهاني
20
الأغاني
حلفائها من قريظة والنضير ، فالتقوا بفضاء كان بين بئر سالم [ 1 ] وقباء ، وكان أوّل يوم التقوا فيه ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، ثم انصرفوا وهم منتصفون جميعا ، ثم التقوا مرة أخرى عند / أطم بني قينقاع ، فاقتتلوا حتى حجز الليل بينهم ، وكان الظَّفر يومئذ للأوس على الخزرج ، فقال أبو قيس بن الأسلت في ذلك : لقد رأيت بني عمرو فما وهنوا عند اللقاء وما همّوا [ 2 ] بتكذيب ألا فدى لهم أمّي وما ولدت غداة يمشون إرقال المصاعيب بكلّ سلهبة [ 3 ] كالأيم ماضية وكلّ أبيض ماضي الحدّ مخشوب - أصل المخشوب : الحديث الطبع ، ثم صار كل مصقول مخشوبا ؛ فشبهها بالحية في انسلالها - قال : فلبث الأوس والخزرج متحاربين عشرين سنة في أمر سمير يتعاودون القتال في تلك السنين ، وكانت لهم فيها أيام ومواطن لم تحفظ ، فلما رأت الأوس طول الشرّ وأن مالكا لا ينزع [ 4 ] ، قال لهم سويد بن صامت الأوسيّ - وكان يقال له الكامل في الجاهلية ، وكان الرجل عند العرب [ 5 ] إذا كان شاعرا شجاعا كاتبا سابحا راميا سمّوه الكامل ، وكان / سويد أحد الكملة - : يا قوم ، أرضوا هذا الرجل من حليفه ، ولا تقيموا على حرب إخوتكم فيقتل بعضكم بعضا ويطمع فيكم غيركم ، وإن حملتم على أنفسكم بعض الحمل . فأرسلت الأوس إلى مالك بن العجلان يدعونه إلى أن يحكم بينه وبينهم ثابت بن المنذر بن حرام أبو حسّان بن ثابت ، فأجابهم إلى ذلك ، فخرجوا حتى أتوا ثابت بن المنذر ، وهو في البئر التي يقال لها سميحة [ 6 ] ، فقالوا : إنا قد حكَّمناك بيننا ؛ فقال : لا حاجة لي في ذلك ؛ قالوا : ولم ؟ قال : أخاف أن تردّوا حكمي / كما رددتم حكم عمرو بن امرئ القيس ؛ قالوا : فإنا لا نردّ حكمك فاحكم بيننا ؛ قال : لا أحكم بينكم حتى تعطوني موثقا وعهدا لترضون بحكمي وما قضيت به ولتسلمنّ له ؛ فأعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم ، فحكم بأن يودى حليف مالك دية الصريح ثم تكون السنّة فيهم بعده على ما كانت عليه : الصريح [ 7 ] على ديته والحليف على ديته ، وأن تعدّ القتلى الذين أصاب بعضهم من بعض في حربهم [ ثم يكون بعض ببعض ] [ 8 ] ثم يعطوا الدية لمن كان له فضل في القتلى من الفريقين ، فرضي بذلك مالك وسلَّمت الأوس وتفرّقوا على أنّ على بني النّجّار نصف دية جار مالك معونة لإخوتهم ، وعلى بني عمرو بن عوف نصفها ؛ فرأت بنو عمرو بن عوف أنهم لم يخرجوا إلا الذي كان عليهم ، ورأى مالك أنه قد أدرك ما كان يطلب ، وودي جاره دية الصريح . ويقال : بل الحاكم المنذر أبو ثابت .
--> [ 1 ] في أكثر النسخ « بني سالم » ولعلها محرفة عن بئر سالم التي أثبتناها في الأصل وفي ط ، ء : « سالم » . [ 2 ] في أ ، م : « ولا هموا » . [ 3 ] السلهبة من الخيل : الطويلة على وجه الأرض . [ 4 ] ينزع : يكف وينتهي . [ 5 ] كذا في أ ، م ، ط . وفي سائر النسخ : « وكان الرجل في الجاهلية » . [ 6 ] هي بئر بالمدينة وقيل بناحية قديد ، قال السكري : يروي سميحة ( بالتصغير ) وسميحة ( بفتح السين وكسر الميم ) ومسيحة . [ 7 ] كذا في أغلب الأصول . وفي ب ، س ، ح : « في الصريح . . . » بزيادة « في » . [ 8 ] هذه الجملة ساقطة من ب ، س ، ح .