أبي الفرج الأصفهاني

193

الأغاني

فخاف أن يكون أهل الشأم قد وصلوا إليه ، وكانت ليلة ظلماء ذات ريح شديدة صعبة ورعد وبرق ، فرفع نارا على رأس رمح لينظر إلى الناس فأطارتها الريح فوقعت على أستار الكعبة فأحرقتها واستطالت فيها ، وجهد الناس في إطفائها فلم يقدروا ، وأصبحت الكعبة تتهافت [ 1 ] وماتت امرأة من قريش ، فخرج الناس كلَّهم في جنازتها خوفا من أن ينزل العذاب عليهم ، وأصبح ابن الزّبير ساجدا يدعو ويقول : اللهم إني لم أتعمّد ما جرى فلا تهلك عبادك بذنبي وهذه ناصيتي بين يديك ؛ فلمّا تعالى النهار أمن وتراجع / الناس ، فقال لهم : اللَّه اللَّه أن ينهدم في بيت أحدكم حجر فيزول عن موضعه فيبنيه ويصلحه وأترك الكعبة خرابا ؛ ثم هدمها مبتدئا بيده وتبعه الفعلة حتى بلغوا إلى قواعدها ، ودعا ببنّائين من الفرس والروم فبناها . نقل غناء الفرس من بنّائي الكعبة الذين استقدمهم ابن الزبير : قال إسحاق : وأخبرني ابن الكلبيّ عن أبي مسكين قال : كان سعيد بن مسجح أسود مولَّدا يكنى أبا عيسى مولى لبني جمح ، فرأى الفرس وهم يعملون الكعبة لابن الزّبير ويتغنّون بالفارسيّة فاشتقّ غناءه على ذلك . / قال إسحاق : وحدّثني محمد بن سلَّام عن شعيب بن صخر وجرير قالا : كان سعيد بن مسجح أسود وهو مولى بني جمح يكنى أبا عيسى . كان ولاؤه هو وابن سريج لرجل واحد : قال إسحاق : وحدّثني المدائني عن صخر بن جعفر عن أبي قبيل بمثل ذلك ، وذكر أنه كان يكنى أبا عثمان . قال : وهو مولى لبني نوفل بن الحارث كان هو وابن سريج لرجل واحد ، ولذلك قبل عنه ابن سريج . ابن مسجح في حداثته : قال إسحاق : وحدّثني الهيثم بن عديّ عن صالح بن حسّان فذكر مثل ما ذكر أبو قبيل من كنيته وولائه ، وقال : كان ابن مسجح فطنا كيّسا ذكيّا ، وكان أصفر حسن اللون ، وكان مولاه معجبا به ، وكان يقول في صغره : ليكوننّ لهذا الغلام شأن ، وما منعني من عتقه إلا حسن فراستي فيه ، ولئن عشت لأتعرّفنّ ذلك ، وإن متّ فهو حرّ ، فسمعه مولاه يوما وهو يتغنّى بشعر ابن الرّقاع العامليّ ، وهو من الثقيل الأوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى : صوت ألمم على طلل عفا متقادم بين اللَّكيك [ 2 ] وبين غيب الناعم [ 3 ]

--> [ 1 ] أي لتساقط حجرا حجرا . [ 2 ] اللكيك كأمير ويقال له اللكاك ، رواه ابن جبلة « اللكاك » كغراب ، وضبطه الصاغانيّ بالكسر ككتاب وقال : هو موضع في ديار بني عامر ، وقال غيره : بحزن بني يربوع ؛ انظر « شرح القاموس » ، وقد ضبطه ياقوت في « معجم البلدان » بالكسر ككتاب ولم يذكر اللكيك . [ 3 ] غيب الناعم : موضع قال عنه ياقوت : إنه ورد في قول عديّ بن الرقاع وذكر البيت هكذا : ألمم على طلل عفا متقادم بين الذؤيب وبين غيب الناعم