أبي الفرج الأصفهاني
415
الأغاني
ماتت ، وكانت وفاتها بعد الإسلام بزمان طويل في ولاية المغيرة بن شعبة الكوفة ، وخطبها المغيرة فردّته . خطبها المغيرة بن شعبة فردّته أخبرني عمي قال حدّثني ابن أبي سعد قال حدّثنا عليّ بن الصّبّاح عن هشام بن محمد بن [ 1 ] الكلبيّ عن أبيه والشّرقيّ بن القطاميّ قالا : مرّ المغيرة بن شعبة لما ولاه معاوية الكوفة بدير هند ، فنزله ودخل على هند بنت النعمان بعد أن استأذن عليها ، فأذنت له وبسطت له مسحا [ 2 ] فجلس عليه ، ثم قالت له : ما جاء بك ؟ قال : جئتك خاطبا ؛ قالت : والصليب لو علمت أن فيّ خصلة / من جمال أو شباب رغَّبتك فيّ لأجبتك ، ولكنّك أردت أن تقول في المواسم : ملكت مملكة النعمان بن المنذر ونكحت ابنته ، فبحقّ معبودك أهذا أردت ؟ قال : إي واللَّه ؛ قال : فلا سبيل إليه ؛ فقام المغيرة وانصرف وقال فيها : أدركت ما منّيت نفسي خاليا للَّه درّك يا بنة النعمان فلقد رددت على المغيرة ذهنه إنّ الملوك نقيّة الأذهان وفي رواية أخرى : إنّ الملوك بطيّة الإذعان يا هند حسبك قد صدقت فأمسكي فالصّدق خير مقالة الإنسان حديث عشقها لزرقاء اليمامة وقد روى عن ابن الكلبيّ غير عليّ بن الصّبّاح في هند أنها كانت تهوى زرقاء اليمامة ، وأنها أوّل امرأة أحبّت امرأة في العرب ، فإنّ الزرقاء كانت ترى الجيش من مسيرة ثلاثين ميلا ؛ فغزا قوم من العرب اليمامة ، فلما قربوا من مسافة نظرها قالوا : كيف لكم بالوصول ، مع الزرقاء ! فاجتمع رأيهم على أن يقتلعوا شجرا تستر كلّ شجرة منها الفارس إذا حملها ؛ فقطع كلّ واحد منهم بمقدار طاقته وساروا بها ؛ فأشرفت ، كما كانت تفعل ، فقال لها قومها : ما ترين يا زرقاء ؟ وذلك في آخر النهار ؛ قالت : أرى شجرا يسير ؛ فقالوا : كذبت أو كذبتك عينك ، واستهانوا بقولها ؛ فلما أصبحوا صبحهم [ 3 ] القوم ، فاكتسحوا [ 4 ] أموالهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأخذوا الزرقاء فقلعوا عينها فوجدوا فيها عروقا سوداء ، فسئلت عنها فقالت : إني كنت أديم الاكتحال بالأثمد فلعلّ هذا منه ، وماتت بعد ذلك بأيام ؛ وبلغ هندا [ 5 ] خبرها / فترهّبت ولبست المسوح وبنت ديرا يعرف بدير هند إلى الآن ، فأقامت فيه حتى ماتت .
--> [ 1 ] كذا في ح وفي باقي الأصول « عن هشام بن محمد عن ابن الكلبيّ » . وكلمة « عن » هنا وقعت غلطا لأن عليّ بن الصباح يروي عن هشام بن محمد بن الكلبيّ ولأن المؤلف سيقول بعد : « وقد روى عن ابن الكلبيّ غير عليّ بن الصباح » . [ 2 ] المسح : كساء من الشعر . [ 3 ] يقال : صبح القوم إذا أتاهم صباحا بخير أو شرّ ، وصحبهم بتشديد الباء . إذا أتاهم صباحا . [ 4 ] في م ، أ : « فاستباحوا » . [ 5 ] حكى إسماعيل الموصليّ في « كتاب الأوائل » ما أورده أبو الفرج من أن هندا أحبّت الزرقاء وأنها أوّل امرأة أحبّت امرأة ، ثم قال : وفيه نظر ، فإن هند بنت النعمان ماتت في ولاية المغيرة بن شعبة على الكوفة وزرقاء اليمامة من جديس ولهم خبر مع طسم وكانوا في زمن ملوك الطوائف وبينهما زمان طويل ، فما أعلم من أين وقع لأبي الفرج هذا ! . ( انظر « خزانة الأدب » للبغدادي ج 3 ص 182 ) .