أبي الفرج الأصفهاني

592

الأغاني

فقلت : وكيف وأنت لم تسمعه قط ! قال : لمّا غنّيت عرفتك به وقلت : إن كان معبد في الدنيا فهذا ؛ فقلت : جعلت فداءك ، فكيف أجبتني بقولك : وما أنس م الأشياء لا أنس قولها وقد قرّبت نضوي أمصر تريد فقال : قد علمت أنك تريد أن أسمعك صوتي : وما أنس م الأشياء لا أنس شادنا بمكَّة مكحولا أسيلا مدامعه ولم يكن إلى ذلك سبيل لأنّه صوت قد نهيت أن أغنّيه فغنّيتك هذا الصوت جوابا لما / سألت وغنّيت ، فقلت : واللَّه ما عدوت وما أردت ، فهل لك حاجة ؟ / فقال لي : يا أبا عبّاد ، لولا ملالة الحديث وثقل إطالة الجلوس لاستكثرت منك ، فاعذر ؛ فخرجت من عنده ، وإنّه لأجلّ الناس عندي ، ورجعت إلى المدينة فتحدّثت بحديثه وعجبت من فطنته وقيافته ، فما رأيت إنسانا إلَّا وهو أجلّ منه في عيني [ 1 ] . خبر جميل وبثينة وتوسيطه رجلا من بني حنظلة في لقائها وذكرت جميلا وبثينة فقلت : ليتني عرفت إنسانا يحدّثني بقصّة جميل وخبر الشعر فأكون قد أخذت بفضيلة الأمر كلَّه في الغناء والشعر . فسألت عن ذلك فإذا الحديث مشهور ، وقيل لي : إن أردت أن تخبّر بمشاهدته فأت بني حنظلة ، فإن فيهم شيخا منهم يقال له فلان يخبّرك الخبر ؛ فأتيت الشيخ فسألته فقال : نعم ، بينا أنا في إبلي في الربيع إذا أنا برجل منطو على رحله كأنّه جانّ فسلَّم عليّ ثم قال : ممن أنت يا عبد اللَّه ؟ فقلت : أحد بني حنظلة ؛ قال : فانتسب [ 2 ] ، فانتسبت حتى بلغت إلى فخذي الذي أنا منه ؛ ثم سألني عن بني عذرة أين نزلوا ؛ فقلت له : هل ترى ذلك السّفح ؟ فإنهم نزلوا من ورائه ؛ قال : يا أخا بني حنظلة ، هل لك في خير [ 3 ] تصطنعه إليّ ؟ فو اللَّه لو أعطيتني ما أصبحت تسوق من هذه الإبل ما كنت بأشكر منّي لك عليه ؛ فقلت نعم ، ومن أنت أوّلا ؟ قال : لا تسألني من أنا ولا أخبرك غير أني رجل بيني وبين هؤلاء القوم ما يكون بين بني العم ، فإن رأيت أن تأتيهم فإنّك تجد القوم في مجلسهم فتنشدهم [ 4 ] بكرة أدماء تجرّ خفّيها غفلا [ 5 ] من السّمة ، فإن ذكروا لك شيئا فذاك ، وإلا استأذنتهم في البيوت وقلت : إن المرأة والصبيّ قد يريان ما لا يرى الرجال ، فتنشدهم ولا تدع أحدا تصيبه عينك ولا بيتا / من بيوتهم إلَّا نشدتها فيه ؛ فأتيت القوم فإذا هم على جزور يقتسمونها ، فسلَّمت وانتسبت لهم ونشدتهم ضالَّتي ، فلم يذكروا لي شيئا ؛ فاستأذنتهم في البيوت وقلت : إنّ الصبيّ والمرأة يريان ما لا ترى الرجال ، فأذنوا ؛ فأتيت أقصاها بيتا ثم استقريتها بيتا بيتا أنشدهم فلا يذكرون شيئا ، حتى إذا انتصف النهار وآذاني حرّ الشمس وعطشت وفرغت من البيوت وذهبت لأنصرف حانت منّي التفاتة فإذا بثلاثة أبيات ، فقلت : ما عند هؤلاء إلا ما عند

--> [ 1 ] في ط : « في نفسي » . [ 2 ] في ط : « فنسبني فانتسبت » ونسبني : سألني أن أنتسب . [ 3 ] في ح ، أ ، م : « معروف » . [ 4 ] تنشدهم بكرة : تناديهم وتسألهم عنها والبكرة : الفتية من الإبل ، والأدماء : وصف من الأدمة ، والأدمة في الناس : السمرة وفي الإبل والظباء : البياض . قال الأصمعي : الآدم من الإبل : الأبيض فإن خالطته حمرة فهو أصهب فإن خالطت الحمرة صفاء فهو المدمي . [ 5 ] في ب : « عفلاء » وهو تحريف .