أبي الفرج الأصفهاني
590
الأغاني
البيتين ؛ فعلمت عاتكة ما أراد . فلما غنّي يزيد بهذا الشعر كرهته مواليه إذ كان عبد الملك تمثّل به في أمّه ، ولم يكرهه يزيد وقال : لو قيل هذا الشعر فيها ثمّ غنّي به لما كان عيبا ، فكيف وإنما هو مثل تمثّل به أمير المؤمنين في أجمل العالمين ! حمل عرار بن عمرو بن شأس رأس ابن الأشعث إلى عبد الملك وإعجاب عبد الملك ببيانه قال أبو عبد اللَّه : وأما خبره لما غنّى بشعر عمرو بن شأس فإن ابن الأشعث لما قتل بعث الحجاج إلى عبد الملك برأسه مع عرار بن عمرو بن شأس ، فلما ورد به وأوصل كتاب الحجّاج جعل عبد الملك يقرؤه ، فكلما شكّ في شيء سأل عرارا عنه فأخبره ، فعجب عبد الملك من بيانه وفصاحته من سواده ، فقال متمثّلا : وإنّ عرارا إن يكن غير واضح فإنّي أحبّ الجون ذا المنكب العمم [ 1 ] / فضحك عرار من قوله ضحكا غاظ عبد الملك ؛ فقال له : ممّ ضحكت ويلك [ 2 ] ! قال : أتعرف عرارا يا أمير المؤمنين الذي قيل فيه هذا الشعر ؟ قال : لا ؛ قال : فأنا واللَّه هو ؛ فضحك عبد الملك وقال : حظَّ وافق كلمة ، ثم أحسن جائزته وسرّحه . قال أبو عبد اللَّه : وإنما أراد الغريض أن يغنّي يزيد بمتمثّلات عبد الملك في الأمور العظام ، فلما تبيّن كراهة مواليه غناءه فيما تمثّل به في عاتكة أراد أن يعقبه ما تمثّل به في فتح عظيم كان لعبد الملك ، فغنّاه بشعر عمرو بن شأس في عرار . نسبة ما في هذا الخبر من الغناء صوت وإنّى لأرعى قومها من جلالها وإن أظهروا غشّا نصحت لهم جهدي ولو حاربوا قومي لكنت لقومها صديقا ولم أحمل على قومها حقدي عروضه من الطويل . الشعر لكثيّر . والغناء للغريض ثاني ثقيل بالسّبابة في مجرى البنصر عن إسحاق . وذكر حبش أن فيه لقفا [ 3 ] النّجار ثاني ثقيل بالوسطى ، وفيه لعلَّويه ثقيل أوّل . خرج إليه معبد بمكة وسمع غناءه وأخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني إبراهيم عن يونس الكاتب قال حدّثني معبد قال : خرجت إلى مكة في طلب لقاء الغريض وقد بلغني حسن غنائه في لحنه : وما أنس الأشياء لا أنس شادنا بمكَّة مكحولا أسيلا مدامعه / وقد كان بلغني أنه أوّل لحن صنعه وأن الجنّ نهته أن يغنّيه لأنه فتن طائفة منهم ، فانتقلوا عن مكَّة من أجل
--> [ 1 ] يقال : رجل عمم ، أي خير يعم بخيره وعقله . وقال في « اللسان » مادة « عمم » : « ومنكب عمم : طويل » ثم ساق بيت عمرو بن شأس وهو : « فإن عرارا . . . الخ » . [ 2 ] في ط : « ويحك » . [ 3 ] انظر حاشية 4 من صفحة 107 من الجزء الأوّل من هذه الطبعة .