أبي الفرج الأصفهاني
339
الأغاني
وراحوا مقصرين وخلَّفوني إلى حزن أعالجه شديد قال : ورجع آيسا فعاد إلى حاله الأولى ، قال : فلم تزل تلك حاله ، إلا أنه غير مستوحش ، إنما يكون في جنبات الحيّ منفردا عاريا لا يلبس ثوبا إلا خرّقه ، ويهذي ويخطَّط في الأرض ويلعب بالتراب والحجارة ، ولا يجيب أحدا سأله عن شيء ، فإذا أحبّوا أن يتكلَّم أو يثوب عقله ذكروا له ليلى ، فيقول : بأبي هي وأمّي ، ثم يرجع إليه عقله فيخاطبونه ويجيبهم ، ويأتيه أحداث الحيّ فيحدّثونه عنها وينشدونه الشعر الغزل ، فيجيبهم جوابا صحيحا وينشدهم أشعارا قالها ، حتى سعى [ 1 ] عليهم في السنة الثانية [ 2 ] بعد عمر بن عبد الرحمن نوفل بن مساحق ، فنزل مجمعا من تلك / المجامع فرآه يلعب بالتراب وهو عريان ، فقال لغلام له : يا غلام ، هات ثوبا ، فأتاه به ، فقال لبعضهم : خذ هذا الثوب فألقه على ذلك الرجل ، فقال له : أتعرفه جعلت فداك ؟ قال : لا ، قال : هذا ابن سيّد الحيّ ، لا واللَّه ما يلبس الثياب ولا يزيد على ما تراه يفعله الآن ، وإذا طرح عليه شيء خرّقه ، ولو كان يلبس ثوبا لكان في مال أبيه ما يكفيه ، وحدّثه عن أمره ، فدعا به وكلَّمه ، فجعل لا يعقل شيئا يكلَّمه به ، فقال له قومه : إن أردت أن يجيبك جوابا صحيحا فاذكر له ليلى ، فذكرها له وسأله عن حبّه إياها ، فأقبل عليه يحدّثه بحديثها ويشكو إليه حبّه إياها وينشده شعره فيها ، فقال له نوفل : الحبّ صيّرك إلىّ ما أرى ؟ قال نعم ، وسينتهي بي إلى ما هو أشدّ مما ترى ، فعجب منه وقال له : أتحبّ أن أزوّجكها ؟ قال : نعم ، وهل إلى ذلك من سبيل ؟ قال : انطلق معي حتى أقدم على أهلها بك وأخطبها عليك وأرغَّبهم في المهر لها ، قال : أتراك فاعلا ؟ قال : نعم ، قال : انظر ما تقول ! قال : لك عليّ أن أفعل بك ذلك ، ودعا له بثياب فألبسه إياها ، وراح معه المجنون كأصحّ أصحابه [ 3 ] يحدّثه وينشدّه ، فبلغ ذلك رهطها فتلقّوه في السلاح [ 4 ] ، وقالوا له : يا بن مساحق لا واللَّه لا يدخل المجنون منازلنا أبدا أو يموت ، فقد أهدر لنا السلطان دمه ، فأقبل [ 5 ] بهم وأدبر ، فأبوا ، فلما رأى ذلك قال للمجنون : انصرف ، فقال له المجنون : واللَّه ما وفيت لي بالعهد ، قال له : انصرافك بعد أن آيسني القوم من إجابتك أصلح من سفك الدماء ، فقال المجنون : صوت أيا ويح من أمسى تخلَّس [ 6 ] عقله فأصبح مذهوبا به كلّ مذهب خليّا من الخلَّان إلا معذّرا [ 7 ] يضاحكني [ 8 ] من كان يهوى تجنّبي
--> [ 1 ] سعى عليهم : ولي جباية صدقاتهم . [ 2 ] في ت : « الثالثة » ولعل كليهما محرّف عن التالية . [ 3 ] كذا في أغلب النسخ . وفي ت : « وراح أصحابه معه والمجنون كأصح ما يكون » . [ 4 ] كذا في أغلب النسخ . وفي ب ، س : « بالسلاح » . [ 5 ] يريد أنه بذل الجهد في إقناعهم أن يدخلوه معه وقلبهم على جميع الوجوه فلم يجده شيئا . قال في « لسان العرب » مادة قبل : « وقد أقبل الرجل وأدبره وأقبل به وأدبر فما وجد عنده خيرا » . [ 6 ] تخلس : سلب . [ 7 ] هو المقصر الذي لا عذر له ولكنه يتكلف العذر ، ومنه قوله تعالى : * ( ( وجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ) ) * . [ 8 ] كذا في جميع الأصول وهو الموافق لما في « الديوان » طبع بولاق . وسيأتي في جميع الأصول ص 39 من هذا الجزء « إلا مجاملا يساعدني » .