أبي الفرج الأصفهاني
497
الأغاني
إنّ ابن زينة لم تصدق مودّته [ 1 ] وفرّ عنه ابن أرطاة بن سيحانا [ 2 ] فقال ابن سيحان يعتذر من ذلك : يقول رجال قد دعاك فلم تجب وذلك من تلقاء مثلك [ 3 ] رائع فإن كان نادى دعوة فسمعتها فشلَّت يدي واستكّ [ 4 ] منّي المسامع وإلا فكانت بالذي قال باطلا ودارت عليه الدائرات القوارع يلومونني أن كنت في الدار حاسرا وقد فرّ عنه خالد هو دارع [ 5 ] / فقال بعض الشعراء يجيبه : فإنك لم تسمع ولكن رأيته بعينيك إذ مجراك في الدار واسع وأسلمته للصّغد تدمي كلومه وفارقته والصوت في الدار شائع / وما كان فيها خالد بمعذّر [ 6 ] سواء عليه صمّ أو هو سامع فلا زلتما في غلّ سوء بعبرة ودارت عليكم بالشّمات القوارع أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمري عن العتبيّ قال : لما قتل سعيد بن عثمان بن عفّان قالت أمّه : أشتهي أن يرثيه شاعر كما في نفسي حتى أعطيه ما يحتكم ؛ فقال ابن سيحان : إن كنت باكية فتى فابكي هبلت [ 7 ] على سعيد : فارقت أهلك بغتة وجلبت حتفك من بعيد أذري دموعك والدّما ء على الشّهيد ابن الشهيد فقالت : هكذا كنت أشتهي أن يقال فيه ، ووصلت ابن سيحان . وكانت تندبه بهذا الشعر . وقال أبو عمرو في روايته التي ذكرتها عن عمّي عن الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو عن أبيه قال : جلس ابن سيحان وخالد بن عقبة بعد مقتل سعيد بن عثمان يتحدّثان ، فجرى ذكره فبكيا جميعا عليه ، فقال ابن سيحان يرثيه :
--> [ 1 ] في ط : « لم يصدق مودّته » . [ 2 ] تقدّم هذان البيتان مع خبرهما بالجزء الأوّل من « الأغاني » طبع دار الكتب ص 35 فانظره . [ 3 ] في ح : « نفسك » . [ 4 ] أي صمت وضاقت ، ومنه قول النابغة : أتاني أبيت اللعن أنك لمتني وتلك التي تستك منها المسامع [ 5 ] الدارع : لابس الدرع . [ 6 ] المعذر : الذي لم يثبت له عذر . [ 7 ] هبلت : ثكلت ، يقال هبلته أمه هبلا أي ثكلته . وذكر صاحب « اللسان » أن هبلت يقال في الدعاء بالبناء للمفعول وإن كان هو القياس لأنه إنما يدعى عليه بأن تهبله أمه أي تثكله . وهذا أحد أفعال ثلاثة جاءت من باب فعل ( بكسر العين ) المتعدّي وجاء مصدرها على فعل بالتحريك ، ثانيها عمل الشيء عملا ، وثالثها زكنت الخبر زكنا .