أبي الفرج الأصفهاني
481
الأغاني
فشربته ، ثم ثنّى فشربت حتّى / رويت ، ثم قال : اشدد أداة رحلك واشرب واسق جملك ، فإني ذاهب بك إلى بعض مذاهبي ، ففعلت ، فجال [ 1 ] في ظهر ناقته وركبت ناقتي ، فسرنا بياض يومنا وسواد ليلتنا ، ثم أصبحنا فسرنا يومنا لا واللَّه ما نزلنا إلا للصلاة ؛ فلما كان اليوم الثالث دفعنا إلى نسوة فمال إليهنّ فوجدنا الرجال خلوفا [ 2 ] ، وإذا قدر لبأ [ 3 ] وقد جهدت جوعا وعطشا ، فلما رأيت القدر اقتحمت [ 4 ] عن بعيري وتركتهم جانبا ، ثم أدخلت رأسي في القدر ما يثنيني حرّها حتى رويت ، فذهبت أخرج رأسي من القدر فضاقت عليّ وإذا هي على رأسي قلنسوة ، فضحكن منّي وغسلن ما أصابني . وأتي جميل بقرى فو اللَّه ما التفتّ إليه ؛ فبينا هو يحدّثهنّ إذا رواعي الإبل ، وقد كان السلطان أحلّ لهم دمه إن وجدوه في بلادهم ، وجاء الناس فقلن [ 5 ] : ويحك ! أنج وتقدّم ، فو اللَّه ما أكبرهم ذلك الإكبار ، فإذا بهم يرمونه ، ويطردونه ، فإذا غشوه قاتلهم ورمى فيهم ، وقام بي جملي ، فقال لي : يسّر لنفسك مركبا خلفي ، فأردفني خلفه ، لا واللَّه ما انكسر ولا انحلّ عن فرصته [ 6 ] حتى رجع إلى أهله ، وقد سار ستّ ليال وستة أيام وما التفت إلى طعام وقال في ذلك : إنّ المنازل هيجت أطرابي واستعجمت آياتها بجوابي وهي قصيدة طويلة . وقال أيضا : وأحسن أيامي وأبهج عيشتي إذا هيج بي يوما وهنّ قعود قال فقال ابن عائشة : أفلا أغنّي لكم ذلك ؟ فقلنا : بلى واللَّه ، فاندفع فغنّاه ، فما سمع السامعون شيئا أحسن من ذلك [ 7 ] ، وبقي أصحابنا يتعجبون من الحديث / وحسنه والغناء وطيبه ؛ فقال له أصحابنا : يا أبا جعفر ، إنّا مستأذنوك ، فإن أذنت لنا سألناك ، وإن كرهت تركناك ؛ فقال : سلوا ، فقالوا : نحبّ أن تغنّينا في مجلسنا هذا ما نشطت هذا الصوت فقط ؛ فقال لهم : نعم ونعمة عين وكرامة ، فما زلنا في غاية السرور حتى انقضى المجلس . نسبة هذا الغناء صوت إنّ المنازل هيّجت أطرابي واستعجمت آياتها بجوابي
--> [ 1 ] كذا في أ ، م ، س بالجيم المعجمة ، ولعل معناه أنه جاء وذهب على ظهر ناقته ليطمئن عليها ويستقر . وفي سائر النسخ : « فحال » بالحاء المهملة ولم يظهر له معنى . [ 2 ] خلوفا : غائبين عن الحيّ . [ 3 ] اللبأ : أوّل اللبن في النتاج . [ 4 ] أي بادرت بالنزول عنه . [ 5 ] كذا في ح . وفي سائر النسخ : « فقالوا » . [ 6 ] كذا في جميع النسخ ولعلها : « قرفصته » . [ 7 ] كذا في ط . وفي سائر النسخ : « أحسن من ذلك الغناء » والجملة بعده ترجح الرواية الأولى لأن عجب القوم من الحديث والغناء .