أبي الفرج الأصفهاني
464
الأغاني
صلف كان فيه لما كان بعد أبي عبّاد مثله . أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني محمد بن أحمد بن يحيى المكيّ عن أبيه عن جدّه قال : ثلاثة من المغنّين كانوا أحسن الناس حلوقا : ابن عائشة وابن تيزن [ 1 ] وابن أبي الكنّات . ضرب ابن أبي عتيق رجلا خدش حلقه حدّثني عمي قال حدّثنا محمد بن داود بن الجرّاح قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثني مصعب الزّبيريّ عن أبيه قال : رأى ابن أبي عتيق حلق ابن عائشة مخدّشا فقال : من فعل هذا بك ؟ قال : فلان ، فمضى فنزع ثيابه وجلس للرجل على بابه ، فلمّا خرج أخذ بتلبيبه [ 2 ] وجعل / يضربه ضربا شديدا والرجل يقول له : مالك تضربني ! أيّ شيء صنعت ! وهو لا يجيبه حتى بلغ منه ؛ ثم خلَّاه وأقبل على من حضر فقال : هذا أراد أن يكسر مزامير داود : شدّ [ 3 ] على ابن عائشة فخنقه وخدش حلقه . لو كان آخر غنائه كأوّله لفاق ابن سريج قال إسحاق في خبره : وحدّثني أبي عن سياط عن يونس الكاتب قال : ما عرفنا بالمدينة أحسن ابتداء من ابن عائشة إذا غنّى ، ولو كان آخر غنائه مثل أوّله لقدّمته على ابن سريج . قال إبراهيم : هو كذاك عندي ، وقال إسحاق مثل قولهما . قال : وقال يونس : كان ابن عائشة يضرب بالعود ولم يكن مجيدا ، وكان غناؤه أحسن من ضربه ، فكان لا يكاد يمسّ العود إلَّا أن تجتمع جماعة من الضّرّاب فيضربون عليه ويضرب هو ويغنّي ، فناهيك به حسنا ! . كان يصلح لمنادمة الخلفاء والملوك أخبرني الحسين عن حمّاد عن أبيه عن الهيثم بن عديّ عن صالح بن حسّان أنه ذكر يوما المغنّين بالمدينة ، فقال : لم يكن بها أحد بعد طويس أعلم من ابن عائشة ولا أظرف مجلسا ولا أكثر طيبا ؛ وكان يصلح أن يكون نديم خليفة أو سمير ملك . قال إسحاق : فأذكرني هذا القول قول جميلة له : وأنت يا أبا جعفر فمع الخلفاء تصلح أن تكون . رآه الحسن بن الحسن بالعقيق فأكرهه على أن يغنيه مائة صوت فلم ير أحسن منه غناء في ذلك اليوم قال إسحاق وحدّثني المدائنيّ قال حدّثني جرير قال : كان ابن عائشة تائها سيّىء الخلق ، فإن قال له إنسان : تغنّ ، قال : ألمثلي يقال هذا ! وإن قال له إنسان وقد ابتدأ هو بغناء : أحسنت ، قال : ألمثلي يقال أحسنت ! ثم يسكت ، فكان قليلا ما ينتفع به . فسال العقيق مرّة فدخل عرصة سعيد بن العاصي الماء حتى ملأها ، فخرج الناس إليها وخرج ابن عائشة فيمن خرج ، فجلس على قرن البئر ، فبينا هم / كذلك إذ طلع [ 4 ] الحسن بن الحسن بن
--> [ 1 ] انظر الكلام عليه في حاشية 2 صفحة 283 من الجزء الأوّل من « الأغاني » طبع دار الكتب المصرية . [ 2 ] التلبيب من الإنسان ما في موضع اللبب من ثيابه ، واللبب : موضع القلادة من الصدر ، يقال : أخذ فلان بتلابيب فلان إذا جمع عليه ثوبه الذي هو لابسه عند صدره وقبض عليه يجرّه . [ 3 ] كذا في م ، أ . في أغلب النسخ : « وشدّ » بواو العطف . [ 4 ] كذا في أغلب النسخ . وفي أ ، م : « أقبل » .