ابن كثير
84
قصص الأنبياء
أن قال لمن استخفهم فأطاعوه ، وعلى باطله تابعوه ( 1 ) : انظروا كيف انحسر [ البحر ( 2 ) ] لي لأدرك عبيدي الآبقين من يدي ، الخارجين على ( 3 ) طاعتي وبلدي ؟ وجعل يورى في نفسه أن يذهب خلفهم ، ويرجو أن ينجو وهيهات ، ويقدم تارة ويحجم تارات ! فذكروا أن جبريل عليه السلام تبدى في صورة فارس راكب على رمكة حائل ( 4 ) فمر بين يدي فحل فرعون لعنه الله ، فحمحم إليها وأقبل عليها ، وأسرع جبريل بين يديه فاقتحم البحر ، واستبق الجواد وقد أجاد ، فبادر مسرعا ، هذا وفرعون لا يملك من نفسه ضرا ولا نفعا ، فلما رأته الجنود قد سلك البحر اقتحموا وراءه مسرعين ، فحصلوا في البحر أجمعين أكتعين أبصعين ، حتى هم أولهم بالخروج منه ، فعند ذلك أمر الله تعالى كليمه فيما أوحاه إليه أن يضرب بعصاه البحر . فضربه فارتطم عليهم البحر كما كان ، فلم ينج منهم إنسان . قال الله تعالى : " وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم . " أي في إنجائه أولياءه فلم يغرق منهم أحد ، وإغراقه أعداءه فلم يخلص منهم أحد ، آية عظيمة ، وبرهان قاطع على قدرته تعالى العظيمة ، وصدق رسوله فيما جاء به عن ربه من الشريعة الكريمة ، والمناهج المستقيمة . وقال تعالى : " وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده
--> ( 1 ) ا : بايعوه . ( 2 ) سقطت من . ( 3 ) ا : عن طاعتي . ( 4 ) الرمكة : الفرس . والحائل : التي لم تلقح .