ابن كثير

82

قصص الأنبياء

شبابيك ليرى بعضهم بعضا ! وفي هذا نظر ، لأن الماء جرم شفاف إذا كان من ورائه ضياء حكاه . وهكذا كان ماء البحر قائما مثل الجبال ، مكفوفا بالقدرة العظيمة الصادرة من الذي يقول للشئ كن فيكون ، وأمر الله تعالى ريح الدبور فلفحت حال ( 1 ) البحر فأذهبته ، حتى صار يابسا لا يعلق في سنابك الخيول والدواب . قال الله تعالى : ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا * لا تخاف دركا ولا تخشى * فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم * وأضل فرعون قومه وما هدى ( 2 ) " والمقصود أنه لما آل أمر البحر إلى هذه الحال ، بإذن الرب العظيم الشديد المحال ، أمر موسى عليه السلام أن يجوزه ببني إسرائيل ، فانحدروا فيه مسرعين مستبشرين مبادرين ، وقد شاهدوا من الامر العظيم ما يحير الناظرين . ويهدى قلوب المؤمنين . فلما جازوه ( 3 ) وجاوزوه وخرج آخرهم منه ، وانفصلوا عنه ، كان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون إليه ، ووفودهم عليه . فأراد موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما ( 4 ) كان عليه ، لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه ، ولا سبيل عليه ، فأمره ( 5 ) القدير ذو الجلال أن يترك البحر على هذه الحال ، كما قال وهو

--> ( 1 ) الحال : الطين الأسود . ( 2 ) الآيات : 77 - 79 من سورة طه . ( 3 ) المطبوعة : جاوزوه . محرفة . ( 4 ) ا : عما ( 5 ) ا : فأمر