ابن كثير
58
قصص الأنبياء
ولهذا قال هذا الرجل المؤمن المصدق ، البار الراشد ، التابع للحق ، الناصح لقومه ، الكامل العقل : " يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض " أي عالين على الناس حاكمين عليهم ، " فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ؟ " أي لو كنتم أضعاف ما أنتم فيه من العدد والعدة ، والقوة والشدة لما نفعنا ذلك ، ولا رد عنا بأس مالك الممالك . " قال فرعون " أي في جواب هذا كله : " ما أريكم إلا ما أرى " أي ما أقول لكم إلا ما عندي " وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " . وكذب في كل من هذين القولين وهاتين المقدمتين ، فإنه قد كان يتحقق في باطنه وفي نفسه أن هذا الذي جاء به موسى من عند الله لا محالة ، وإنما كان يظهر خلافه بغيا وعدوانا وعتوا وكفرانا . قال الله تعالى إخبارا عن موسى : " لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ، وإني لأظنك يا فرعون مثبورا * فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا * وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض ، فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا " . وقال تعالى : " فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين * وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين " . وأما قوله : " وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " فقد كذب أيضا ، فإنه لم يكن على رشاد من الامر ، بل كان على سفه وضلال وخبل وخيال ،