ابن كثير
112
قصص الأنبياء
الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم دينه ، وأقام ( 1 ) حجته وبراهينه . والمقصود أن موسى عليه السلام لما استكمل الميقات ، وكان فيه صائما يقال إنه لم يستطعم الطعام ، فلما كمل الشهر أخذ لحاء شجرة فمضغه ليطيب ريح فمه ، فأمره الله أن يمسك عشرا أخرى ، فصارت أربعين ليلة . ولهذا ثبت في الحديث : أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك . فلما عزم على الذهاب استخلف على شعب بني إسرائيل أخاه هارون ، المحبب المبجل الجليل . وهو ابن أمه وأبيه ، ووزيره في الدعوة إلى مصطفيه ، فوصاه ، وأمره وليس في هذا لعلو منزلته في نبوته منافاة . قال الله تعالى : " ولما جاء موسى لميقاتنا " أي في الوقت الذي أمر بالمجئ فيه " وكلمه ربه " أي كلمه الله من وراء حجاب ، إلا أنه أسمعه الخطاب ، فناداه وناجاه ، وقربه وأدناه . وهذا مقام رفيع ومعقل منيع ، ومنصب شريف ومنزل منيف ، فصلوات الله عليه تترى ، وسلامه عليه في الدنيا والأخرى . ولما أعطى هذه المنزلة العلية والمرتبة السنية ، وسمع الخطاب ، سأل رفع الحجاب ، فقال للعظيم الذي لا تدركه الابصار القوى البرهان : " رب أرني أنظر إليك قال لن تراني " ثم بين تعالى أنه لا يستطيع أن يثبت عند تجليه تبارك وتعالى ، لان الجبل الذي هو أقوى وأكبر ذاتا وأشد ثباتا من الانسان ، لا يثبت عند التجلي من الرحمن ، ولهذا قال : " ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني " وفي الكتب المتقدمة : أن الله تعالى قال له : " يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ، ولا يابس إلا تدهده ( 2 ) " .
--> ( 1 ) ا : وإقامة . ( 2 ) تدهده : تدحرج .