أبي الفرج الأصفهاني
309
الأغاني
سكن الناس بالظَّواهر منها وتبوّا لنفسه بطحاها [ 1 ] قال إسحاق : ولمّا تزوّج الرشيد زوجته العثمانيّة أعجب بها ، فكان كثيرا ما يتمثّل بهذه الأبيات . العرجي وأبو عدي العبلي أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال : / حدّثت أنّ أبا عديّ العبليّ خرج يريد واديا نحو الطائف يقال له جلدان [ 2 ] ، فمرّ بعبد اللَّه بن عمر العرجيّ وهو نازل هناك بواد يقال له العرج ، فأرسل إليه غلاما له فأعلمه بمكانه ، فأتاه الغلام فقال له : هذا أبو عديّ ، فأمر أن ينزله في مسجد الخيف [ 3 ] ، فأنزله وأبطأ عليه في الخروج . فقال للغلام : ويحك ! ما يحبس مولاك ؟ قال : عنده ابن وردان مولى معاوية ، وهما يأكلان القسب [ 4 ] والجلجلان [ 5 ] . ثم بعث إليه بخبز ولبن ، وبعث لرواحله بحمض [ 6 ] وقدّم إلى رواحل ابن وردان القتّ [ 7 ] والشّعير . فكتب أليه أبو عديّ : أبا عمر لم تنزل الركب إذ أتوا منازلهم والرّكب يحفون [ 8 ] بالرّكب رفعت لئام الناس فوق كرامهم وآثرتهم بالجلجلان والقسب فأمّا بعيرانا فبالحمض غذّيا [ 9 ] وأوثر عبّاد بن وردان بالقضب [ 10 ] فكتب إليه العرجيّ : أتانا فلم نشعر به غير أنّه له لحية طالت على حمق القلب / كراية بيطار [ 11 ] بأعلى حديدة [ 12 ] إذا نصبت لم تكسب الحمد بالنّصب أتانا على سغب [ 13 ] يعرّض بالقرى وهل فوق قرض من قرى صاحب السّغب قال : فارتحل أبو عديّ مغضبا وقال : مزحت معه فهجاني ، وأنشأ يقول في العرجيّ :
--> [ 1 ] انظر الكلام على قريش الظواهر وقريش البطاح في الحاشية رقم 3 ص 254 من هذا الجزء . [ 2 ] قال ياقوت : جلدان - بكسر الجيم وسكون اللام ، واختلف في الدال فمنهم من رواها مهملة ومنهم من رواها معجمة - : موضع قرب الطائف يسكنه بنو نصر بن معاوية من هوزان . [ 3 ] كذا في ب ، س ، ح . والظاهر من سياق الحكاية أنه غير مسجد الخيف المعروف بمنى . وفي سائر النسخ : « الضيف » ولم تترجح عندنا إحدى الروايتين . [ 4 ] القسب : التمر اليابس يتفتت في الفم صلب النواة . [ 5 ] الجلجلان : السمسم . [ 6 ] الحمض : ما ملح وأمرّ من النبات وهو كفاكهة الإبل تأكله عند سآمتها من الخلة . وهي ما حلا من النبات . [ 7 ] في « المصباح » : القت : الفصفصة إذا يبست . وقال الأزهري : القت : حب بريّ لا ينبته الآدمي ، فإذا كان عام قحط وفقد أهل البادية ما يقتاتون به من لبن وتمر ونحوه ، دقوه وطبخوه واجتزؤا به على ما فيه من الخشونة . [ 8 ] حفي به يحفى حفاوة وحفاية : بالغ في إكرامه . [ 9 ] في ت ، أ ، م ، ء : « ففي الحمض عديا » . [ 10 ] تقدّم أن الذي قدّم لرواحل ابن وردان هو القت والشعير . فلعله يريد بالقضب هنا القت وهو أحد معانيه ؛ لأن أهل مكة يسمون القت القضب . [ 11 ] البيطار : معالج الدواب ، من البطر وهو الشقّ . وراية البيطار يضرب بها المثل في الشهرة فيقال : « أشهر من راية البيطار » . [ 12 ] في ح : « جريدة » . [ 13 ] السغب بسكون الغين وتحريكها : الجوع . وفي ت ، أ ، ء ، م : « سقب » بالقاف وهو تحريف .