أبي الفرج الأصفهاني
295
الأغاني
كان ابن محرز بعيد عن الناس حمل ذكره فما يذكر منه إلا غناؤه قال أبو أيّوب وقال إسحاق : كان ابن محرز قليل الملابسة للناس ، فأحمل ذلك ذكره فما يذكر منه إلَّا غناؤه ، وأخذت أكثر غنائه جارية كانت لصديق له من أهل مكة كانت تألفه ، فأخذه الناس عنها . ومات بداء كان به . وسقط إلى فارس فأخذ غناء الفرس ، وإلى الشأم فأخذ غناء الروم ، فتخيّر من نغمهم ما تغنّى به غناءه . وكان يقدم بما يصيبه فيدفعه إلى صديقه ذاك فينفقه كيف شاء ، لا يسأله عن شيء منه ، حتّى إذا كاد أن [ 1 ] ينفد جهّزه وأصلح من أمره ، وقال له : إذا شئت فارحل ، فيرحل ثم يعود . فلم يزل كذلك حتى مات . ابن محرز أوّل من غنّى بزوج من الشعر واقتدى به المغنون في ذلك [ قال [ 2 ] ] : وهو أوّل من غنّى بزوج من الشّعر ، وعمل ذلك بعده المغنّون اقتداء به . وكان يقول : الأفراد لا تتمّ بها الألحان . وذكر أنه أوّل ما أخذ الغناء أخذه عن ابن مسجح . قال إسحاق : وكانت العلَّة التي مات بها الجذام ، فلم يعاشر الخلفاء ولا خالط الناس لأجل ذلك . قال أبو أيّوب قال إسحاق : قدم ابن محرز يريد [ 3 ] العراق ، فلمّا نزل القادسيّة [ 4 ] لقيه حنين ، فقال له : كم منّتك نفسك من العراق ؟ قال : ألف دينار . قال : فهذه خمسمائة دينار فخذها وانصرف واحلف ألَّا تعود . علو كعبه في صنعة الغناء وقال إسحاق : وقلت ليونس : من أحسن الناس غناء ؟ قال : ابن محرز . قلت : وكيف قلت [ 5 ] ذاك ؟ قال : إن شئت فسّرت ، وإن شئت أجملت . قلت : أجمل . قال : كأنه خلق من كلّ قلب ، فهو يغنّي لكل إنسان بما يشتهي . وهذه الحكاية بعينها قد حكيت في ابن سريج ، ولا أدري أيّهما الحقّ . قال إسحاق : وأخبرني الفضل بن يحيى بن خالد أنه سأل بعض من يبصر الغناء : من أحسن الناس غناء ؟ فقال : أمن الرجال أم من النساء ؟ فقلت : من الرجال . فقال : ابن محرز . فقلت : فمن النساء ؟ فقال : ابن سريج . قال : وكان إسحاق يقول : الفحول ابن سريج ، ثم ابن محرز ، ثم معبد ثم الغريض ، ثم مالك . أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد : قرأت على أبي حدّثنا بعض أهل المدينة ، وأخبرني بهذا الخبر الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكَّار قال حدّثني أخي هارون عن عبد الملك بن الماجشون قال : كان ابن محرز أحسن الناس غناء ، فمرّ بهند بنت كنانة بن عبد الرحمن بن نضلة بن صفوان بن أمية بن محرّث [ 6 ] الكنانيّ حليف / قريش ، فسألته أن يجلس لها ولصواحب لها ، ففعل وقال : أغنّيكنّ صوتا أمرني
--> [ 1 ] كذا في أكثر النسخ ، وهو غير الفصيح في كاد من عدم اقتران خبرها بأن . وفي ح ، ر : « كان ينفد » بالنون . وهو تحريف . [ 2 ] زيادة في ت ، ح ، ر . [ 3 ] في ت ، ح ، ر : « بلد العراق » . [ 4 ] القادسية : بلدة قرب الكوفة بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخا وبينها وبين العذيب أربعة أميال ، وكانت بها وقعة القادسية المعروفة بين المسلمين والفرس في عهد عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه سنة 16 من الهجرة . [ 5 ] في ت : « قلت دع وكيف ذاك » . [ 6 ] كذا في ت ، أ ، م ، ء . وفي سائر النسخ : « محرز » . قال في « القاموس » و « شرحه » : وسموا محرّثا كمحمد ، قال ابن الأعرابيّ : هو اسم جدّ صفوان بن أميّة بن محرّث ، وصفوان هذا أحد حكام كنانة أه .