أبي الفرج الأصفهاني

281

الأغاني

له حاجة قد طالما قد أسرّها من الناس في صدر بها يتصدّع / تحمّلها طول الزمان لعلَّها يكون لها يوما من الدهر منزع وقد قرعت في أمّ عمرو لي [ 1 ] العصا قديما كما كانت لذي الحلم تقرع [ 2 ] قال : فجاءت [ 3 ] واللَّه بشيء حيّرني وأذهلني طربا لحسن الغناء وسرورا باختيارها الغناء في شعري ، وما سمعت فيه من حسن الصّنعة وجودتها وإحكامها . ثم قالت لها : خذي أيضا من قول أبي محجن ، عافى اللَّه أبا محجن : يأيّها الرّكب إنّي غير تابعكم حتى تلمّوا وأنتم بي ملمّونا فما أرى مثلكم ركبا كشكلكم يدعوهم ذو هوى إلَّا يعوجونا أم خبّروني عن دائي [ 4 ] بعلمكم وأعلم النّاس بالداء الأطبّونا [ 5 ] قال نصيب : فو اللَّه لقد زهيت [ 6 ] بما سمعت زهوا خيّل إليّ أنيّ من قريش ، وأنّ الخلافة لي . ثم قالت : حسبك يا بنيّة ! هات الطعام يا غلام ! فوثب الأحوص وكثيّر وقالا : واللَّه لا نطعم لك طعاما ولا نجلس لك في مجلس ؛ فقد أسأت عشرتنا واستخففت بنا ، وقدّمت شعر هذا على أشعارنا ، واستمعت [ 7 ] الغناء فيه ، وإن في أشعارنا لما يفضل شعره ، وفيها من الغناء ما هو أحسن من هذا . فقالت : على معرفة كلّ ما كان منّي ، فأيّ شعركما أفضل من شعره ؟ أقولك يا أحوص : ( يقرّ بعيني ما يقرّ بعينها وأحسن شيء ما به العين قرّت أو قولك يا كثيّر في عزّة : وما حسبت ضمريّة جدويّة [ 8 ] سوى التّيس ذي القرنين أنّ لها بعلا أم قولك فيها : إذا ضمريّة عطست فنكها فإن عطاسها طرف السّفاد / قال : فخرجا مغضبين واحتبستني ، فتغدّيت عندها ، وأمرت لي بثلاثمائة دينار وحلَّتين وطيب ، ثم دفعت إليّ مائتي دينار وقالت : ادفعها إلى صاحبيك ؛ فإن قبلاها وإلا فهي لك . فأتيتهما منازلهما فأخبرتهما القصّة . فأمّا

--> [ 1 ] في ت ، ح ، ر : « لك العصا » . [ 2 ] يشير بذلك إلى المثل المعروف : « إن العصا قرعت لذي الحلم » . وأصله أن حكما من حكام العرب عاش حتى أهتر ، فقال لابنته : إذا أنكرت من فهمي شيئا عند الحكم فآقرعي لي المجنّ بالعصا لأرتدع . وهذا الحكم هو عمرو بن حممة الدوسيّ . وقيل : أوّل من قرعت له العصا عامر بن الظرب العدواني أحد حكماء العرب وحكامهم . والمثل يضرب لمن إذا نبّه انتبه . يريد أنه ليم في حبّها قديما . [ 3 ] كذا في ت ، ح ، ر . وفي سائر النسخ : « فجاءني واللَّه شيء » . [ 4 ] كذا في ت . وفي سائر النسخ : « داء » بغير ياء . وفي ح ، ر : « أم خبروني بداء لي بعلمكم » . [ 5 ] الأطبون : البارعون في الطب . [ 6 ] كذا في ح ، ر . وفي سائر النسخ : « زهوت » . [ 7 ] كذا في ح ، ر . وفي سائر النسخ : « وأسمعت » . [ 8 ] نسبة إلى جديّ بن ضمرة بن بكر من كنانة .