أبي الفرج الأصفهاني

260

الأغاني

سرى الهمّ تثنيني إليك طلائعه بمصر وبالحوف اعترتني روائعه / وبات وسادي ساعد قلّ لحمه عن العظم حتى كاد تبدو أشاجعه [ 1 ] قال : وذكرت فيها الغيث فقلت : وكم دون ذاك العارض البارق الذي له اشتقت من وجه أسيل مدامعه تمشّى [ 2 ] به أفناء [ 3 ] بكر ومذحج وأفناء عمرو وهو خصب مرابعه [ 4 ] فكلّ مسيل من تهامة طيّب دميث الرّبا تسقي البحار [ 5 ] دوافعه [ 6 ] أعنّي على برق أريك وميضه تضئ دجنّات الظَّلام لوامعه إذا اكتحلت عينا محبّ بضوئه تجافت به حتّى الصّباح مضاجعه هنيئا لأمّ البختريّ [ 7 ] الرّوي [ 8 ] به وإن أنهج الحبل الذي أنا قاطعه / وما زلت حتّى قلت إنّي لخالع ولائي من مولى نمتني قوارعه [ 9 ] ومانح قوم أنت منهم مودّتي ومتّخذ مولاك مولى فتابعه نصيب وأيمن بن خريم الأسدي فقال : أنت واللَّه شاعر ! احضر بالباب حتّى أذكرك للأمير . قال : فجلست على الباب ودخل ، فما ظننت أنه أمكنه أن يذكرني حتّى دعي بي . فدخلت فسلَّمت على عبد العزيز ، فصعّد فيّ بصره وصوّب ، ثم قال : أنت شاعر ؟ ويلك ! . قلت : نعم ، أيّها الأمير . قال : فأنشدني . فأنشدته ، فأعجبه شعري . وجاء الحاجب فقال : أيّها الأمير ، هذا أيمن بن خريم [ 10 ] الأسديّ بالباب . قال : ائذن له ، فدخل فاطمأنّ . فقال له الأمير : يا أيمن بن خريم ، كم ترى ثمن هذا العبد ؟ فنظر إليّ فقال : واللَّه لنعم الغادي في أثر المخاض [ 11 ] ، هذا أيها الأمير أرى ثمنه مائة دينار . قال : فإنّ له

--> [ 1 ] الأشاجع : أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف . [ 2 ] أصله تتمشى حذفت إحدى تاءيه . [ 3 ] في « اللسان » : أعناء الناس وأفناؤهم أي أخلاطهم ؛ يقال : هؤلاء من أفناء القبائل أي نزّاع من ها هنا وها هنا . ورجل من أفناء القبائل أي لا يدري من أي قبيلة هو . وقيل : إنما يقال قوم من أفناء القبائل ولا يقال رجل أه . [ 4 ] في ح ، ر ، ت : « مراتعه » بالتاء المثناة . [ 5 ] في ح ، ر : « النجاد » . والبحار هنا : المدن والقرى والأراضي الواسعة ، الواحدة بحرة ( بالفتح ) . [ 6 ] الدوافع : أسافل الميث حيث تدفع في الأودية ، أسفل كل ميثاء دافعة ، أو الدافعة : التلعة من مسايل الماء تدفع في تلعة أخرى إذا جرى في صبب وحدور من حدب ، فترى له في مواضع قد انبسط شيئا واستدار ثم دفع في أخرى أسفل منها ، فكل واحد من ذلك دافعة والجميع الدوافع ، ومجرى ما بين الدافعتين مذنب . [ 7 ] كذا في ر . وفي سائر النسخ : « البحتري » بالحاء المهملة . وربما رجح الرواية الأولى أن البحتري سمي به كثيرا . وأما البحتري فنسبة إلى بحتر بن عنود الطائي جدّ أبي عبادة البحتري الشاعر المعروف . [ 8 ] الروى ( بكسر ففتح ) : الماء الكثير المروي . [ 9 ] كذا في جميع النسخ . ولعله « فوارعه » بالفاء ، بمعنى أعاليه وأصوله التي تفرعه . [ 10 ] كذا في أ . وفي سائر النسخ : « خزيم » وهو تصحيف . وستأتي ترجمته في الجزء الحادي والعشرين من « الأغاني » . [ 11 ] المخاض : الحوامل من النوق . وعبارة المحكم : التي أولادها في بطونها ، واحدتها خلفة على غير قياس ولا واحد لها من لفظها ، كما قيل لواحدة النساء امرأة ، قال ابن سيده : وإنما سميت الحوامل مخاضا تفاؤلا بأنها تصير إلى ذلك . يريد : لنعم هذا العبد راعيا للإبل .