أبي الفرج الأصفهاني
168
الأغاني
لي : لولا وشك الرّحيل ، وخوف الفوت ، ومحبّتي لمناجاتك والاستكثار من محادثتك ، لأقصيتك ، هات الآن كلَّمني وحدّثني وأنشدني . / فكلَّمت آدب الناس وأعلمهم بكلّ شيء . ثم نهضت وأبطأت العجوز وخلا لي البيت ، فأخذت أنظر ، فإذا أنا بتور [ 1 ] فيه خلوق [ 2 ] ، فأدخلت يدي فيه ثم خبأتها في ردني [ 3 ] . وجاءت تلك العجوز فشدّت عينيّ ونهضت بي تقودني ، حتى إذا صرت على باب المضرب أخرجت يدي فضربت بها على المضرب ، ثم صرت إلى مضربي ، فدعوت غلماني فقلت : أيّكم يقفني على باب مضرب عليه خلوق كأنه أثر كفّ فهو حرّ وله خمسمائة درهم [ 4 ] . فلم ألبث أن جاء بعضهم فقال : قم . فنهضت معه ، / فإذا أنا بالكفّ طريّة ، وإذا المضرب مضرب فاطمة بنت عبد الملك بن مروان . فأخذت في أهبة الرّحيل ، فلمّا نفرت نفرت معها ، فبصرت في طريقها بقباب ومضرب وهيئة جميلة ، فسألت عن ذلك ، فقيل لها : هذا عمر بن أبي ربيعة ، فساءها أمره وقالت للعجوز التي كانت ترسلها إليه : قولي له نشدتك اللَّه والرّحم أن تصحبني [ 5 ] ، ويحك ! ما شأنك وما الذي تريد ؟ انصرف ولا تفضحني وتشيط [ 6 ] بدمك [ 7 ] . فسارت العجوز إليه فأدّت إليه ما قالت لها فاطمة . فقال : لست بمنصرف أو توجّه إليّ بقميصها الذي يلي / جلدها ، فأخبرتها ففعلت وجّهت إليه بقميص من ثيابها ، فزاده ذلك شغفا . ولم يزل يتبعهم لا يخالطهم [ 8 ] ، حتى إذا صاروا على أميال من دمشق انصرف وقال في ذلك : ضاق الغداة بحاجتي صدري ويئست بعد تقارب الأمر وذكرت فاطمة التي علَّقتها [ 9 ] عرضا [ 10 ] فيا لحوادث [ 11 ] الدّهر وفي هذه القصيدة مما يغنّى فيه قوله :
--> [ 1 ] التور : إناء صغير ؛ سمّى بذلك لأنه يتعاور ويردّد ، أو سمى بالتور وهو الرسول الذي يتردّد ويدور بين العشاق . قال الشاعر : والتور فيما بيننا معمل يرضى به المأتّى والمرسل ومأخذه من التارة ؛ لأنه تارة عند هذا وتارة عند هذا . ( راجع أساس « البلاغة » مادة تور ) . [ 2 ] الخلوق : نوع من الطيب . [ 3 ] الردن : الكمّ . [ 4 ] في ح ، ر : « دينار » . [ 5 ] كذا في ت . تريد : ألا تصحبني . ( وانظر الحاشية رقم 1 صفحة 167 ) . وفي سائر النسخ : « أن فضحتني » . [ 6 ] هذه الواو ينصب بعدها الفعل ، والشرط فيها أن يتقدّم الواو نفي أو طلب كقوله تعالى : * ( ولَمَّا يَعْلَمِ أللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) * ، وكقول الشاعر : لا تنه عن خلق وتأتي مثله وسمّى الكوفيون هذه الواو واو الصرف ؛ وذلك لأنها لا يستقيم عطف ما بعدها على ما قبلها . ( انظر « المغنى » طبع مصر ج 2 ص 35 و « اللسان » مادة « وا » ) . [ 7 ] أشاط دمه وبدمه : أهدره وعرّض نفسه « القتل » . وف ب ، س : « وانشط بدمك » أي فز به مسرعا ولا تهدره . [ 8 ] في ت ، م ، أ ، ء : « ولا يخالطهم » بالواو . [ 9 ] راجع الحاشية رقم 7 في صفحة 159 من هذا الجزء . [ 10 ] في « ديوانه » : « غرضا » . والغرض هنا : الشوق . [ 11 ] هذه اللام يجوز فيها الفتح على أنها داخلة على المتعجب منه ، والكسر على أنها داخلة على المستغاث من أجله والمستغاث محذوف ؛ كأنه قال : يا للناس لحوادث الدهر .