مجمع الكنائس الشرقية

362

قاموس الكتاب المقدس

لم يقم داود مع شاول باستمرار ، إذ يبدو أن حالة الملك تحسنت . وقد أتيحت الفرصة لداود مرارا كثيرة أن يعود ليشرف على غنم أبيه ( 1 صم 17 : 15 ) . وبينما كان يقوم بزيارة قريته ويشرف على الغنم إذ نشبت الحرب بين العبرانيين والفلسطينيين فغزا الفلسطينيون يهوذا وأقاموا معسكرهم على مسافة تقرب من خمسة عشر ميلا غرب بيت لحم . فقاد شاول الجيش لملاقاتهم . وكان إخوة داود الثلاثة الكبار مع الجيش . ثم بعد قضائهم مدة تقرب من ستة أسابيع بعيدين عن أهلهم وذويهم أرسل يسى داود لكي يسأل عن سلامتهم . وفي ذلك حين كان جليات قد تقدم متحديا أي إنسان في جيش العبرانيين لكي يبرز لمبارزته فأثار هذا التحدي روح داود . وقد شعر يقينا بأن الرب سيزيل على يديه العار الذي لحق بقومه . فسأل عمن يكون هذا الفلسطيني الذي يعير صفوف الله الحي . وقد بلغت كلماته إلى شاول الذي إذ رأى قوة الروح الدافع بالفتى أن يتقدم عهد إليه بأمر مبارزة جليات . فخلع داود لباس الحرب الذي كان قد ألبسه إياه شاول بحجة أنه لم يجربه . وقد أظهر في تلك الآونة عبقرية عظمى فإن حركة جليات البطيئة بسبب ثقل السلاح الذي كان يلبسه إعاقته كثيرا ، وكذلك كان نوع السلاح الذي يلبسه يحتم عليه أن يكون قتاله عن قرب من عدوه فلا يستطيع أن يتمكن منه ما دام بعيدا عنه . أما داود فجاء إليه خفيف الحركة لا يعوقه ثقل سلاح أو ما أشبه ذلك . أتى ومعه مقلاع كان قد أتقن استخدامه وانتقى خمسة أحجار ملس يمكن قذفها عن بعد . جاء ويتملكه إحساس رائع بعدل القضية التي يدافع عنها ويحارب لأجلها ، ويسود على قلبه وكل مشاعره شعور سماوي بالثقة بالله . ثم بدأ المتحاربان بتبادل عبارات التعبير كما كان مألوفا لدى المتبارزين في القديم . ثم قذف داود بمقلاعه حجرا سقط جليات على أثره فتقدم داود وقضى عليه بسلاحه . وبعد الانتصار ذهب داود مع شاول إما إلى جبعة بنيامين - المركز الذي كان شاول يقيم فيه ويحكم منه ، أو إنهما ذهبا إلى نوب حيث كانت خيمة الاجتماع منصوبة . ثم عرض داود رأس جليات في أورشليم ويبدو أنه فعل ذلك تحديا لليبوسيين الذين كانوا لا يزالون يملكون الحصن في ذلك الحين . ثم وضع سلاح جليات في خيمته ( 1 صم 17 : 54 ) ووضع السيف في خيمة الاجتماع ( 1 صم 21 : 9 ) . ثم إن داود لما ذهب لمجابهة جليات انذهل شاول من بطولة روحه وسأل أبنير عن الفتى وابن من يكون . ولما عاد داود منتصرا وجه إليه شاول السؤال نفسه فرد عليه داود ببساطة قائلا : " ابن عبدك يسى البيت لحمي " ( 1 صم 17 : 55 - 18 - 1 ) ولم يكن أسلاف داود قد عرفوا بالبطولة الحربية . ويبدو أن شاول في سؤاله أراد أن يعرف مركز أسرة المنتصر الذي وعد أن يعطيه ابنته زوجة ، ولكي يعفي أسرة أبيه من الضرائب التي كانت مفروضة عليهم ( 1 صم 17 : 25 و 18 : 18 ) فاكتشف أنه لا يوجد في أسرة داود ما يمكن أن يخجل منه إذا ما أصر صهره . وقد كان انتصار داود على جليات مرحلة ذات أهمية عظمى في حياته . فقد أظهر من البطولة والشجاعة والتواضع والتقوى ما جعله محببا إلى نفس يوناثان فتعلقت نفسه بداود وأحبه كنفسه ( 1 صم 18 : 1 ) ولم يسمح له من بعد ذلك أن يعود إلى بيت أبيه بل بقي في بلاط شاول على الدوام ( 1 صم 18 : 2 ) . ولكن الاكرام الذي ناله داود لانتصاره على جليات أثار غيرة شاول الذي أصبح عدوا لداود منذ ذلك الحين ( 1 صم 18 : 6 - 9 ) وقد رأى شاول أن تنبؤ صموئيل بانتقال الملك منه إلى من هو خير منه ( 1 صم 15 : 17 - 29 ) قد قرب من تمامه في