ابن قتيبة الدينوري
78
عيون الأخبار
وكنّ إذا ما قلن شيئا يسرّه * أسرّ الرّضا في نفسه وتحرّما ( 1 ) وقال ابن المقفّع : إيّاك ومشاورة النساء ، فإنّ رأيهنّ إلى أفن ( 2 ) ، وعزمهنّ إلى وهن ( 3 ) . واكفف عليهنّ من أبصارهنّ بحجابك إيّاهنّ ، فإنّ شدّة الحجاب ، خير لك من الارتياب . وليس خروجهنّ بأشدّ من دخول من لا تثق به عليهنّ ، فإن استطعت ألَّا يعرفن عليك فافعل . ولا تملَّكنّ امرأة من الأمر ما جاوز نفسها ، فإن ذلك أنعم لحالها وأرخى لبالها ؛ وأدوم لجمالها ، وإنما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ( 4 ) ، فلا تعد بكرامتها نفسها ، ولا تعطها أن تشفع عندك لغيرها . ولا تطل الخلوة مع النساء فيمللنك وتملهنّ ؛ واستبق من نفسك بقيّة ، فإنّ إمساكك عنهنّ وهنّ يردنك باقتدار ، خير من أن يهجمن عليك على انكسار . وإيّاك والتغاير في غير موضع غيرة ، فإنّ ذلك يدعو الصحيحة منهنّ إلى السّقم . كان المأمون يقول : الغيرة بهيميّة . وقال أيضا : هي ضرب من البخل . أنشدني محمد بن عمر للخزيميّ : [ السريع ] ما أحسن الغيرة في حينها * وأقبح الغيرة في غير حين من لم يزل متّهما عرسه * متّبعا فيها لقول الظَّنون ( 5 ) يوشك أن يغريها بالذي * يخاف أن يبرزها للعيون حسبك من تحصينها وضعها * منك إلى عرض صحيح ودين لا يطلعن منك على ريبة * فيتبع المقرون حبل القرين
--> ( 1 ) تحرّم : صار ذا حرمة لا تهتك . ( 2 ) الأفن : الضعف في الرأي والنقص . ( 3 ) الوهن : الضعف في الإقدام . ( 4 ) القهرمانة : التي تتدبّر شؤون البيت . ( 5 ) الظَّنون : السّيء الظنّ ومن لا يوثق بخيره .