ابن قتيبة الدينوري
125
عيون الأخبار
الملك وهو خليفة فخرجت ، فلما قربت المدينة بليلتين أو ثلاث وإذا أنا بامرأة قاعدة على قارعة الطريق ، وإذا رجل رأسه في حجرها كلَّما سقط رأسه أسندته ، فسلَّمت فردّت ولم يردّ الشاب ؛ ثم تأمّلتني فقالت : يا فتى ، هل لك في أجر لا مرزئة فيه ؟ قلت : سبحان اللَّه ! وما أحبّ الأجر إليّ وإن رزئت فيه ! . فقالت : هذا ابني ، وكان إلفا لابنة عمّ له تربّيا جميعا ، ثم حجبت عنه ، فكان يأتي الموضع والخباء ، ثم خطبها إلى أبيها فأبى عليه أو يزوّجها ؛ ونحن نرى عيبا أن تزوّج المرأة من رجل كان بها مغرما ، وقد خطبها ابن عمّ لها وقد زوّجت منذ ثلاث ، فهو على ما ترى لا يأكل ولا يشرب ولا يعقل ، فلو نزلت إليه فوعظته ! فنزلت إليه فوعظته ؛ فأقبل عليّ وقال : [ وافر ] ألا ما للحبيبة لا تعود * أبخل بالحبية أم صدود ( 1 ) مرضت فعادني قومي جميعا * فما لك لم تري فيمن يعود فقدت حبيبتي فبليت وجدا * وفقد الإلف يا سكني شديد وما استبطأت غيرك فاعلميه * وحولي من بني عمّي عديد فلو كنت السّقيمة جئت أسعى * إليك ولم ينهنهني الوعيد ( 2 ) قال : ثم سكن عند آخر كلمته ؛ فقالت العجوز : فاضت واللَّه نفسه ثلاثا ! فدخلني أمر لا يعلمه إلَّا اللَّه ، فاغتممت وخفت موته لكلامي . فلما رأت العجوز ما بي قالت : هوّن عليك ! مات بأجله واستراح ممّا كان فيه ، وقدم على ربّ كريم ؛ فهل لك في استكمال الأجر ؟ هذه أبياتي منك غير بعيدة ، تأتيهم فتنهاه إليهم وتسألهم حضورهم ؛ فركبت فأتيت أبياتا منها على
--> ( 1 ) الصدود : الممانعة والإعراض . ( 2 ) نهنه : منع وكفّ ، والوعيد : التخويف والتهديد .