ابن قتيبة الدينوري
117
عيون الأخبار
وأهل المدينة غارّون ( 1 ) فقتلوا ملكها وأكثر مقاتلتها وتزوّجها ؛ فبينما هي ذات ليلة على فراشه أنكرت مكانها حتى سهرت لذلك عامّة ليلتها ، فنظروا في الفراش فوجدوا تحت المحبس ( 2 ) ورقة من ورق الآس قد أثّرت في جلدها ، فسألها أردشير عند ذلك عما كان أبوها يغذوها به ؛ فقالت : كان أكثر غذائي الشّهد والزّبد والمخّ ؛ فقال أردشير : ما أحد ببالغ لك في الحباء والإكرام مبلغ أبيك ، ولئن كان جزاؤه عندك على جهد إحسانه مع لطف قرابته وعظم حقّه جهد إساءتك ، ما أنا بآمن لمثله منك ؛ ثم أمر بأن تعقد قرونها بذنب فرس شديد المراح ( 3 ) جموح ثم يجرى ؛ ففعل ذلك حتى تساقطت عضوا عضوا . العتبي : سمعت أبي يحدّث عن ناس من أهل الشام : أن أخوين كان لأحدهما زوجة ، وكان يغيب ويخلفه الآخر في أهله ، فهويته امرأة الغائب ، فأرادته على نفسها فامتنع ؛ فلما قدم أخوه سألها عن حالها ، فقالت : ما حال امرأة تراود في كلّ حين ! فقال : أخي وابن أمّي ! وإني لا أفضحه ! ولكن لله عليّ ألَّا أكلَّمه أبدا ؛ ثم حجّ وحجّ أخوه والمرأة ؛ فلما كانوا بوادي الدّوم ( 4 ) هلك الأخ ودفنوه وقضوا حجّهم ورجعوا ؛ فمرّوا بذلك الوادي ليلا ، فسمعوا هاتفا يقول : [ طويل ] أجدّك تمضي الدّوم ليلا ولا ترى * عليك لأهل الدّوم أن تتكلَّما ( 5 ) وبالدّوم ثاو لو ثويت مكانه * ومرّ بوادي الدّوم حيّا لسلَّما
--> ( 1 ) غارّون : لاهون غافلون . ( 2 ) المحبس : ثوب يطرح على ظهر الفراش للنوم عليه . ( 3 ) المراح : النشاط ، والجموح : المتمرّد في جريه بحيث لا يخضع لأمر صاحبه . ( 4 ) وادي الدّوم : مكان بالحجاز يفصل بين خيبر والعوارض . ( 5 ) أجدّك : مصدر منصوب بطرح الباء ، كأنّه قال : أبجدّ هذا منك ، ولا يستعمل إلَّا مضافا .