ابن قتيبة الدينوري

74

عيون الأخبار

الوليد ؛ فسأله عن سبب ضرّه ، فقال : بتّ ليلة في بطن واد ولا أعلم على الأرض عبسيّا يزيد ماله على مالي ، فطرقنا سيل فأذهب ما كان لي من أهل ومال وولد إلا صبيا رضيعا وبعيرا صعبا ، فندّ ( 1 ) البعير والصبيّ معي فوضعته واتّبعت البعير لأحبسه ، فما جاوزت إلَّا ورأس الذئب في بطنه قد أكله ، فتركته وأتبعت البعير ، فاستدار فرمحني رمحة حطم بها وجهي وأذهب عيني ، فأصبحت لا ذا مال ولا ذا ولد . فقال الوليد : اذهبوا به إلى عروة ليعلم أنّ في الناس من هو أعظم بلاء منه ؛ وكان عروة بن الزّبير أصيب بابن له وأصابه الداء الخبيث في إحدى رجليه فقطعها ، فكان يقول : كانوا أربعة - يعني بنيه - فأبقيت ثلاثة وأخذت واحدا ، وكنّ أربعا - يعني يديه ورجليه - فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثا . أحمدك ، لئن كنت أخذت لقد أبقيت ، ولئن كنت أبقيت لقد عافيت . وشخص إلى المدينة فأتاه الناس يبكون ويتوجّعون ؛ فقال : إن كنتم تعدّونني للسّباق والصّراع فقد أودى ( 2 ) ، وإن كنتم تعدّونني للَّسان والجاه فقد أبقى اللَّه خيرا كثيرا . وقال عليّ بن الجهم : [ سريع ] من سبق السّلوة بالصبر * فاز بفضل الحمد والأجر يا عجبا من هلع جازع * يصبح بين الذمّ والوزر مصيبة الإنسان في دينه * أعظم من جائحة الدهر ( 3 ) وقال بعض الشعراء ( 4 ) : [ مجزوء الرمل ] ليت شعري ضلَّة * أيّ شيء قتلك ( 5 )

--> ( 1 ) ندّ البعير : شرد . ( 2 ) أودى : ذهب وانقضى . ( 3 ) جائحة الدهر : مصيبته وصروفه . ( 4 ) قيل : إن هذه الأبيات لأمّ تأبّط شرّا ، وقيل ؛ لأم السليك بن السلكة . ( 5 ) ضلَّة : عدم التوفيق والرّشاد .