ابن قتيبة الدينوري

64

عيون الأخبار

فالأجر المأمول على قدر ذلك . وكتب أبو دلف إليه : إن تكن المصيبة جلَّت ، فإنّ فيما أكرمني اللَّه به من جميل رأي الأمير وما وضح للناس من فضل عنايته وابتدائه إيّاى بكتبه ، ما عجّل العوض من المفقود . وفي كتاب آخر : لئن كانت المصيبة جلَّت ، إن فيما أبقى الله ببقاء الأمير عوضا وافيا وخلفا كافيا . وحقيق بمن عظمت النعمة عليه فيما أبقى الله أن يحسن عزاؤه عما أخذ منه . وأحقّ ما صبر عليه ما لا يستطاع دفعه . وقرأت في كتاب لبعض الكتّاب في تعزية : أسأل اللَّه أن يسدّ بك ما ثلمت ( 1 ) الأيام من مكانه ، ويعمّر ما أخلت من مشاهده وأوطانه حتى لا يعفو الداثر ( 2 ) ، وأن يستقبل لكم أيّامكم بأحسن ما أمضاها لمن مضى منكم ، فيجعلكم الخلف الذي لا وحشة معه ولا وحشة عليه ، ويتولَّاكم ويتولانا فيكم بما هو أهله ووليّه . وقرأت في كتاب تعزية : لا لوم على دمعة لا تملك أن تسفحها ( 3 ) ، ولا على ألم في القلب لا يدفع أن يظهر فيك ، ولا عذر في سواهما مما أحبط أجرك وأشمت عدوّك وضعّف رأيك ، ولم يرجع إليك فائتا ولا إلى شقيقك بمكانه روحا ولا إلى من خلَّف حفظا . واعلم أن فرق ما بين ذي العقل وذي الجهل في مصيبتيهما تعجّل العاقل من الصبر ما يتأجّل الجاهل . وقرأت في كتاب تعزية : لو كانت النوائب مدفوعة عن أحد بكثرة من يقيه ذلك من إخوانه ويفديه منه بالأخصّ من أعزّته والأنفس من ماله ، سلمت

--> ( 1 ) ثلمت : انتقصت . ( 2 ) يعفو الدائر : أي يمحى فلا يبقى له أثر . ( 3 ) تسفحها : تذرفها حزنا .