ابن قتيبة الدينوري

55

عيون الأخبار

مرض أبو عمرو بن العلاء ( 1 ) مرضة ، فأتاه أصحابه وأبطأ عنده رجل منهم ؛ فقال : ما يبطىء بك ؟ قال : أريد أن أساهرك ؛ قال : أنت معافى وأنا مبتلى ، فالعافية لا تدعك تسهر والمرض لا يدعني أنام ، فاسأل الله أن يسوق إلى أهل العافية الشكر ، وإلى أهل البلاء الصبر والأجر . حدّثني عبد الرحمن عن الأصمعيّ قال : اشتكى رجل من الأعراب ، فجعل الناس يدخلون عليه فيقولون : كيف أصبحت وكيف كنت ؟ فلما أكثروا عليه قال : كما قلت لصاحبك . قال : وقع رجل من أهل المدينة فوثئت ( 2 ) رجلاه ، فجعل الناس يدخلون عليه ويسألونه ، فلما أكثروا عليه وأضجر كتب قصّته في رقعة ، فكان إذا دخل عليه عائد وسأله دفع إليه الرقعة . الهيثم بن عديّ قال : كان رجل من أهل السّواد محدودا ( 3 ) لا يقصد في شيء إلا انصرف عنه ، فغاب مرّة فأطال ، فلما قدم أتاه الناس فجعلوا يسألونه عن حاله وما كان فيه ، وكان فيه برم ( 4 ) ، فأخذ رقعة فكتب فيها : [ متقارب ] وما زلت أقطع عرض الفلاة * من المشرقين إلى المغربين وأطوي الفيافي أرضا فأرضا * وأستمطر الجدي والفرقدين ( 5 ) وأطوي وأنشر ثوب الهموم * إلى أن رجعت بخفّي حنين ( 6 )

--> ( 1 ) أبو عمرو بن العلاء : هو زيّان بن عمّار التميمي المازني البصري من أئمة اللغة والأدب وأحد القرّاء السبعة ، ولد بمكّة ، ومات بالكوفة . ( 2 ) وثئت : أصابها وهن لا يبلغ أن يكون كسرا . ( 3 ) المحدود : الذي لا يوفّق إلى الصواب . ( 4 ) البرم : الضيف . ( 5 ) القيافي : المهامه والصحارى ، والجدي والفرقدين : من الكواكب . ( 6 ) خفّي حنين : مثل يضرب لمن يسافر ويعود خائبا من سفره .