ابن قتيبة الدينوري
22
عيون الأخبار
لقي بكر بن عبد اللَّه أخا له فقال : إذا أردت أن تلقى من النّعمة عليك أعظم منها عليه وهو أشكر للنّعمة لقيته ، وإذا شئت أن تلقى من أنت أعظم منه جرما وهو أخوف للَّه منك لقيته . أرأيت لو صحبك رجلان : أحدهما مهتوك لك ستره ولا يذنب ذنبا إلا رأيته ولا يقول هجرا إلا سمعته فأنت تحبّه على ذلك وتوافقه وتكره أن تفارقه ، والآخر مستور عنك أمره غير أنك تظنّ به السوء فأنت تبغضه ، أعدلت بينهما ؟ قال : لا ؛ قال : فهل مثلي ومثلك ومثل من أنت راء من الناس إلا كذلك ؟ إنا نعرف الحقّ في الغيب من أنفسنا فنحبّها على ذلك ، ونتظنّن الظَّنون على غيرنا فنبغضهم على ذلك . ثم قال : أنزل الناس منك ثلاث منازل ، فاجعل من هو أكبر منك سنّا بمنزلة أبيك ، ومن هو تربك بمنزلة أخيك ، ومن هو دونك بمنزلة ولدك ، ثم انظر أيّ هؤلاء تحبّ أن تهتك له سترا أو تبدي له عورة ! . سعيد بن واقد المزنيّ قال : حدّثنا صالح بن الصّقر عن عبد اللَّه بن زهير قال : وفد العلاء ( 1 ) بن الحضرميّ على النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم فقال : « أتقرأ من القرآن شيئا ؟ فقرأ عبس وزاد فيها من عنده ؛ وهو الذي أخرج من الحبلى ، نسمة تسعى ، من بين شراسيف ( 2 ) وحشى ؛ فصاح به النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم وقال له : كفّ فإنّ السورة كافية » . ثم قال : هل تروي من الشّعر شيئا فأنشده : [ طويل ] حيّ ذوي الأضغان تسب قلوبهم * تحيّتك القربى فقد ترقع النّعل وإن دحسوا ( 3 ) بالكره فاعف تكرّما * وإن خنسوا عنك الحديث فلا تسل
--> ( 1 ) العلاء بن الخضرمي صحابيّ ولَّاه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم البحرين سنة 8 ه . ويقال : هو أول مسلم ركب البحر للغزو . توفي سنة 21 ه . معجم الشعراء ص 296 والأعلام ج 4 ص 245 . ( 2 ) الشّراسيف : ج شرسوف وهو غضروف معلَّق بكل ضلع . ( 3 ) دحس بين القوم : أفسد بينهم .