ابن قتيبة الدينوري
63
عيون الأخبار
وأغلظ له رجل فحلم عنه فقيل له : أتحلم عن هذا ؟ فقال : « إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا » . كان يقال : « لا سلطان إلا برجال ولا رجال إلا بمال ولا مال إلا بعمارة ولا عمارة إلا بعدل وحسن سياسة » . قال زياد : « أحسنوا إلى المزارعين فإنكم لا تزالون سمانا ما سمنوا » . وكتب الوليد إلى الحجاج يأمره أن يكتب إليه بسيرته فكتب إليه : « إني أيقظت رأيي وأنمت هواي ، فأدنيت السّيّد المطاع في قومه ، ووليت الحرب الحازم في أمره ، وقلَّدت الخراج الموفّر لأمانته ، وقسمت لكل خصم من نفسي قسما يعطيه حظَّا من نظري ولطيف عنايتي ، وصرفت السيف إلى النّطف ( 1 ) المسئ ، والثواب إلى المحسن البريء فخاف المريب صولة العقاب ، وتمسّك المحسن بحظه من الثواب » . وكان يقول لأهل الشام : « إنما أنا لكم كالظَّليم ( 2 ) الرائح عن فراخه ينفي عنها القذر ( 3 ) ويباعد عنها الحجر ويكنّها ( 4 ) من المطر ويحميها من الضّباب ( 5 ) ويحرسها من الذئاب . يا أهل الشام أنتم الجنّة ( 6 ) والرّداء وأنتم العدّة والحذاء » . فخر سليم مولى زياد بزياد عند معاوية فقال معاوية : « أسكت ، ما أدرك صاحبك شيئا قطَّ بسيفه إلا وقد أدركت أكثر منه بلساني » .
--> ( 1 ) النّطف : الرجل المريب . ( 2 ) الظليم : الذكر من النعام ، والجمع ظلمان . ( 3 ) القذر : الوسخ . ( 4 ) يكنّها : يسترها ويصونها . ( 5 ) الضّباب : ج ضب ، وهو دويبّة من الحشرات يشبه الورل . ( 6 ) الجنّة : السّترة وكلّ ما وقى من سلاح .