ابن قتيبة الدينوري
228
عيون الأخبار
وسوى ( 1 ) خمس ليال في مفازة ، فلم يعرف الطريق ، فدلّ على رافع بن عميرة الطائي وكان دليلا خرّيتا ( 2 ) فقال لخالد : خلَّف الأثقال واسلك هذه المفازة إن كنت فاعلا ؛ فكره خالد أن يخلَّف أحدا وقال : لا بد من أن نكون جميعا . فقال له رافع : واللَّه إن الراكب المنفرد ليخافها على نفسه وما يسلكها إلا مغرّر مخاطر بنفسه ، فكيف أنت بمن معك ؟ فقال : لا بدّ من ذلك . فقال الطائي لخالد : إبغني عشرين جزورا مسانّ ( 3 ) عظاما ففعل فظمّأهنّ ثم سقاهنّ حتى روين ثم قطع مشافرهنّ وكعمهنّ ( 4 ) لئلا تجترّ ، ثم قال لخالد : سر بالخيول والأثقال فكلما نزلت منزلا نحرت من تلك الجزر أربعا ثم أخذت ما في بطونها من الماء فسقيته الخيل وشرب الناس مما تزوّدوا ، ففعل . فلما صار إلى آخر المفازة انقطع ذلك وجهد الناس وعطشت دوابّهم ، فقال له خالد : ويحك ، ما عندك ؟ قال : أدركت الريّ إن شاء اللَّه ، أنظروا هل تجدوا شجرة عوسج على ظهر الطريق ؟ فنظروا فوجدوها فقال : إحفروا في أصلها ، فحفروا فوجدوا عينا فشربوا منها وتزوّدوا ، فقال رافع : واللَّه ما وردت هذا الماء قطَّ إلا مرة واحدة مع أبي وأنا غلام . فقال راجز المسلمين في ذلك : [ رجز ] للَّه درّ رافع أنّى اهتدى * فوّز من قراقر إلى سوى ( 5 ) أرضا إذا سار بها الجيش بكى * ما سارها قبلك من إنس أوى
--> ( 1 ) سوى : اسم ماء لبهراء من ناحية السّماوة ، وعليه مرّ خالد بن الوليد لما قصد من العراق إلى الشام ومعه دليله رافع الطائي . وقيل : سوى واد أصله الدّهناء . معجم البلدان . ( 2 ) دليل خرّيت : دليل حاذق يهتدي أخرات المفاوز وهي مضايقها وطرقها الخفيّة ، والجمع خراريت . ( 3 ) الجزور : البعير ، ومسّانّ : كبار . ( 4 ) كعم البعير : شدّ فاه لئلا يأكل أو يعض . ( 5 ) وردت ترجمته سابقا .