ابن قتيبة الدينوري

194

عيون الأخبار

ذلك الموضع لا من حوله ، وأن يشرّد قبل الوقعة الأفره فالأفره من دوابّهم ويقطَّع أرسانها وتهمز بالرماح في أعجازها حتى تتحيّر وتعير ويسمع لها ضوضاء ، وأن يهتف هاتف ويقول : يا معشر أهل العسكر ، النجاء النجاء فقد قتل قائدكم فلان وقتل خلق وهرب خلق . ويقول قائل : أيها الرجل ، استحيني للَّه . ويقول آخر : العفو العفو . وآخر : أوّه أوّه ، ونحو هذا من الكلام . وليعلم أنه إنما يحتاج في البيات ( 1 ) إلى تحيير العدوّ وإخافته وليجتنبوا التقاط الأمتعة واستياق الدوابّ وأخذ الغنائم . قال : وينبغي في محاصرة الحصون أن يستمال من يقدر على استمالته من أهل الحصن والمدينة ليظفر منهم بخصلتين : إحداهما استنباط أسرارهم ، والأخرى إخافتهم وإفزاعهم بهم ، وأن يدسّ منهم من يصغّر شأنهم ويؤيسهم من المدد ويخبرهم أنّ سرّهم منتشر في مكيدتهم ، وأن يفاض حول الحصن ويشار إليه بالأيدي كأن فيه مواضع حصينة وأخر ذليلة ومواضع ينصب المجانيق ( 2 ) عليها ومواضع تهيّأ العرّادات ( 3 ) لها ومواضع تنقب نقبا ومواضع توضع السّلالم عليها ومواضع يتسوّر منها ومواضع يضرم النار فيها ليملأهم ذلك رعبا ، ويكتب على نشّابة ( 4 ) : إياكم أهل الحصن والاغترار وإغفال الحراسة ، عليكم بحفظ الأبواب فإن الزمان خبيث وأهله أهل غدر فقد خدع أكثر أهل الحصن واستميلوا ، ويرمى بتلك النّشابة في الحصن ثم يدسّ لمخاطبتهم المنطيق ( 5 ) المصيب الدّهيّ الموارب المخاتل غير المهذار ولا المغفّل . وتؤخّر الحرب ما أمكن ذلك فإن في المحاربة جرأد منهم على من

--> ( 1 ) البيات : اسم من بيّت العدوّ أي أوقع به ليلا . ( 2 ) المجانيق : آلات ترمى بها الحجارة ، مفردها منجنيق . ( 3 ) العرّادات : ج عرّادة ، وهي آلة حرب أصغر من المنجنيق ترمى بالحجارة المرمى البعيد . ( 4 ) النّشّابة : واحدة النّشّاب ، وهي السّهام . ( 5 ) المنطيق : المرأة المتأزّرة بحشيّة تعظَّم بها عجيزتها .