الشيخ محمد رضا المظفر
134
أصول الفقه
والسر في ذلك واضح ، لأن أحكام الله توقيفية فلا يمكن العلم بها إلا من طريق السماع من مبلغ الأحكام المنصوب من قبله تعالى لتبليغها ، ضرورة أن أحكام الله ليست من القضايا الأولية وليست مما تنالها المشاهدة بالبصر ونحوه من الحواس الظاهرة بل الباطنة ، وليست أيضا مما تنالها التجربة والحدس . وإذا كانت كذلك فكيف يمكن العلم بها من غير طريق السماع من مبلغها ؟ وشأنها في ذلك شأن سائر المجعولات التي يضعها البشر كاللغات والخطوط والرموز ونحوها . وكذلك ملاكات الأحكام - كنفس الأحكام - لا يمكن العلم بها إلا من طريق السماع من مبلغ الأحكام ، لأ أنه ليس عندنا قاعدة مضبوطة نعرف بها أسرار أحكام الله وملاكاتها التي أنيطت بها الأحكام عنده ( 1 ) والظن لا يغني من الحق شيئا . وعلى هذا ، فمن نفى حجية العقل وقال : " إن الأحكام سمعية لا تدرك بالعقول " فهو على حق إذا أراد من ذلك ما أشرنا إليه ، وهو نفي استقلال العقل النظري من إدراك الأحكام وملاكاتها . ولعل بعض منكري الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع قصد هذا المعنى - كصاحب الفصول وجماعة من الأخباريين ( 2 ) - ولكن خانه التعبير عن مقصوده . وإذا كان هذا مرادهم فهو أجنبي عما نحن بصدده من كون الدليل العقلي حجة يتوصل به إلى الحكم الشرعي . إننا نقصد من الدليل العقلي حكم العقل النظري بالملازمة بين الحكم الثابت شرعا أو عقلا وبين حكم شرعي آخر ، كحكمه بالملازمة في مسألة الإجزاء ومقدمة الواجب ونحوهما ، وكحكمه باستحالة التكليف
--> ( 1 ) راجع ما تقدم في ج 2 ص 296 . ( 2 ) راجع ج 2 ص 269 و 293 .