الشيخ محمد رضا المظفر

54

أصول الفقه

- 2 - من الواضع ؟ ولكن من ذلك الواضع الأول في كل لغة من اللغات ؟ قيل : إن الواضع لابد أن يكون شخصا واحدا يتبعه جماعة من البشر في التفاهم بتلك اللغة ( 1 ) . وقيل - وهو الأقرب إلى الصواب - : إن الطبيعة البشرية حسب القوة المودعة من الله تعالى فيها تقتضي إفادة مقاصد الإنسان بالألفاظ ( 2 ) فيخترع من عند نفسه لفظا مخصوصا عند إرادة معنى مخصوص - كما هو المشاهد من الصبيان عند أول أمرهم - فيتفاهم مع الآخرين الذين يتصلون به ، والآخرون كذلك يخترعون من أنفسهم ألفاظا لمقاصدهم وتتألف على مرور الزمن من مجموع ذلك طائفة صغيرة من الألفاظ ، حتى تكون لغة خاصة لها قواعدها ، يتفاهم بها قوم من البشر . وهذه اللغة قد تتشعب بين أقوام متباعدة وتتطور عند كل قوم بما يحدث فيها من التغيير والزيادة ، حتى قد تنبثق منها لغات أخرى فيصبح لكل جماعة لغتهم الخاصة . وعليه ، تكون حقيقة الوضع هو جعل اللفظ بإزاء المعنى وتخصيصه به . ومما يدل على اختيار القول الثاني في الواضع أنه لو كان الواضع شخصا واحدا لنقل ذلك في تاريخ اللغات ، ولعرف عند كل لغة واضعها .

--> ( 1 ) قاله أبو هاشم الجبائي وأصحابه وجماعة من المتكلمين . لكنهم لم يحصروه بشخص واحد ، بل قالوا : واحد أو جماعة ، راجع المصدر السابق . ( 2 ) قالوه في الجواب عن استدلال الأشعري وتابعيه القائلين بأن الواضع هو الله تعالى مستدلين بقوله تعالى : * ( وعلم الآدم الأسماء كلها ) * راجع المصدر السابق . وللمحقق النائيني ( قدس سره ) هنا كلام دقيق ، راجع فوائد الأصول : ج 1 ص 30 .