السيد محمد باقر الحكيم
30
علوم القرآن
بالمرسل إليه ، ويستلزم ذلك نزول الملك إليه وتجدد العهد به وتقوية أمله في النصر ، واستهانته بما يستجد ويتعاقب من محن ومشاكل . ولهذا نجد أن القرآن ينزل مسليا للنبي مرة بعد مرة مهونا عليه الشدائد كلما وقع في محنة ، يأمره تارة بالصبر أمرا صريحا ، فيقول : ( واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا ) ( 1 ) وينهاه تارة أخرى عن الحزن كما في قوله : ( ولا يحزنك قولهم ان العزة لله جميعا ) ( 2 ) ويذكره بسيرة الأنبياء الذين تقدموه من اولي العزم ، فيقول : ( . . . فأصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل . . . ) ( 3 ) ويخفف عنه أحيانا ، ويعلمه ان الكافرين لا يجرحون شخصه ولا يتهمونه بالكذب لذاته ، وانما يعاندون الحق بغيا كما هو شأن الجاحدين في كل عصر كما في قوله : ( قد نعلم أنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) ( 4 ) . 3 - إن القرآن الكريم ليس كتابا كسائر الكتب التي تؤلف للتعليم والبحث العلمي ، وانما هو عملية تغيير الانسان تغييرا شاملا كاملا في عقله وروحه وإرادته ، وهدفه الأساس هو صنع أمة وبناء حضارة ، وهذا العمل لا يمكن ان يوجد مرة واحدة وانما هو عمل تدريجي بطبيعته ، ولهذا كان من الضروري ان ينزل القرآن الكريم تدريجا ، ليحكم عملية البناء وينشئ أساسا بعد أساس ، ويجتذ جذور الجاهلية ورواسبها بأناة وحكمة . وعلى أساس هذه الأناة والحكمة في عملية التغيير والبناء نجد أن الاسلام تدرج في علاج القضايا العميقة بجذورها في نفس الفرد أو نفس المجتمع ، وقاوم
--> ( 1 ) المزمل : 10 . ( 2 ) يونس : 65 . ( 3 ) الأحقاف : 35 . ( 4 ) الانعام : 33 .