علي بن محمد الليثي الواسطي

147

عيون الحكم والمواعظ

عناءها ولا يركد بلاءها . - إن الدنيا سريعة التحول كثيرة التنقل شديدة الغدر دائمه المكر ، أحوالها تتزلزل ونعيمها يتبدل ورخاءها يتنقص ولذاتها تتنغص وطالبها يذل وراكبها يزل . - إن الدنيا منتهى بصر الأعمى لا يبصر مما ورائها شيئا والبصير ينفذها بصره ويعلم أن الدار ورائها فالبصير منها شاخص والأعمى إليها شاخص والبصير منها متزود والأعمى لها متزود . - إن [ للدنيا ] ( 1 ) رجالا لديهم كنوز مذخورة مذمومة عندكم مدحورة يكشف بهم الدين كما يكشف أحدكم رأس قدره يلوذون كالجراد فيهلكون جبابرة البلاد . - إن الدنيا دار فناء وعناء وعبر وغير . فمن الفناء أن الدهر موتر قوسه مفوق نبله لا يطيش سهامه ولا تؤسى جراحه يرمي الشباب بالهرم والصحيح بالسقم والحياة بالموت ، شارب لا يروى وآكل لا يشبع . ومن العناء : أن المرء يجمع ما لا يأكل ويبني ما لا يسكن ثم يخرج إلى الله بلا بناء نقل ولا مال حمل . ومن عبرها : أنها تريك المرحوم مغبوطا والمغبوط مرحوما ليس بين ذلك إلا نعيم زل وبؤس نزل . ومن غيرها : أن المرء يشرف على أمله فيقتطعه دونه أجله فلا أمل مدرك ولا مؤمل يترك . فسبحان الله ما أعز سرورها وأظمأ ريها وأضحى فيئها ، كأن الذي كان من الدنيا لم يكن وكأن الذي هو كائن منها قد كان ، لا جاء يرد ولا ماض يرتجع ( 1 ) . - إن الآخرة هي دار القرار ودار المقام وجنة ونار صار أولياء الله إلى الآخرة بالصبر وإلى الامل بالعمل جاوروا الله في داره ملوكا خالدين . - إن الدنيا دار غرور حائل وزخرف زائل وظل آفل وسند مائل تردي مستزيدها وتضر مستفيدها فكم من واثق بها راكن إليها قد أرهقته أسعافها وأعلقته أوثاقها وأشربته خناقها وألزمته وثاقها .

--> ( 1 ) من الغرر . ( 1 ) في نهج البلاغة الخطبة 114 : ولا ماض يرتد .