الجاحظ

26

العثمانية

واللبن ( 1 ) ، فكانت قريش بعد إسلام أبى بكر وكثرة مستجيبيه بمكة تريد تنفير عتبة بن ربيعة من مجلسه وإيحاشه منه ، مخافة أن يستميله بحسن دعائه ، وتأتيه ورفقه ، ورقة دموعه وشدة خشوعه فتقول له : أما إنك ما تأتى ابن أبي قحافة إلا لطيب عسله وإلا لمذقته ( 2 ) ، وإنما نفروه بهذا وشبهه لأنه كان ذا عيال مملقا ثقيل المؤونة ، خفيف ذات اليد ، مع سنه وسؤدده وحلمه ورأيه . ولا سواء إسلام ذي اليسر والمال الدثر ، المنفق حريرة كسبه وعقيلة ملكه ، والمفرق عنه جمعه والموحش منه أنيسه . الخارج من عز الغنى وكثرة الصديق ، إلى ذل القلة وعجز الفاقة ، وإسلام من لا حراك به ولا جدا عنده ، تابع غير متبوع ، ومستجد غير مجد ، لان من أشد ما يبتلى به الكريم السب بعد التحية ، والضرب بعد الهيبة ، والعسر بعد اليسر . ولا سواء إسلام العالم الأديب الأريب ، ذي الرأي السديد ، وإسلام غيره . ثم كان داعية من دعاة الرسول مقبول القول ، متبوع الرأي . ومن كان في صفة أبى بكر فالخوف عليه أشد ، والمكروه إليه أسرع ، لأنه لم يكن على ظهرها عدو النبي صلى الله عليه وسلم إلا وأبو بكر يتلوه عنده في العداوة . ولا سواء إسلام من أسلم على أن يمون ويكلف . وإسلام من كان يمان قبل إسلامه ويكلف بعد إسلامه .

--> ( 1 ) في الأصل : " والبن " وانظر الحاشية التالية . ( 2 ) المذقة : الطائفة من اللبن المذبق ، وهو الممزوج بالماء .