الجاحظ

205

العثمانية

والبعيد فرق ، وليس لقرابته فضيلة على غيره ، ولا ينفعه شئ إلا كما نفعت المعافى والغنى في ظاهر أمرهما ، وما يقع العيان عليه منهما ، وهما في الغنى والمصلحة ، والنظر والصنع ، سواء . وليس على هذا بنى القوم أمرهم في القرابة ، لأنهم زعموا أن القرابة سبب للرياسة في الدين ، ولو قالوا إنها سبب للقدر والنباهة في الدنيا كان ذلك وجها ، كما ترى من فضل حال المنيع الرهط ، الجميل الرواء ، والمعافى في بدنه الكثير المال ، على الذليل الرهط الذميم في روائه ، المبتلى في بدنه ، القليل ذات اليد ، وهما في مغيب أمرهما . وفيما لا يقع العيان عليه من شأنهما ، سواء في صنع الله وفضله وعائدته . [ وإنما ] كان لنا أن نزعم أن القرابة تنفع في الدين والحسب فتكون سببا إلى الرياسة فيهما ، أن لو كنا رأينا من عظم قدر القرابة ونبل من أجله ( 1 ) نال الرياسة الكبرى بالحسب . فإذا رأينا النبي صلى الله عليه لم يستحق ذلك الموضع البائن العالي إلا بالفضل دون المركب ( 2 ) كان من مت بقرابته أجدر ألا ينال الرياسة إلا بالفضل دون المركب ، لان النبي صلى الله عليه لو كان نال ذلك بالهاشمية كان هو ورجل من عرض بني هاشم سواء . ولو كان ناله بعبد المطلب لكان ولد عبد المطلب لصلبه أقرب إليه . وقد نعلم أن ذلك لو كان لشخص بالهاشمية أو بالمطلبية لكان لعلى في ذلك ما ليس لأحد ، لأنه ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، وأمه فاطمة ابنة أسد بن هاشم .

--> ( 1 ) كذا في الأصل . ( 2 ) المركب : الأصل والمنبت ، هو كريم المركب ، أي كريم أصل منصبه في قومه .