الجاحظ

203

العثمانية

آبائهم ، وعبادة أصنامهم . ثم الذي لقى المهاجرون في الله ببطن مكة والأنصار وادعون في بيوتهم ، رافهون في ديارهم ، ناعم بالهم ، خلى سربهم ( 1 ) لذيذ عيشهم ، ثم هاجروا إلى دارهم فكانوا معا في العبادة والجهاد ، إلا ما فضلوا به من وحشة الاغتراب ، وفراق الدار والأحباب ، فللمهاجرين مثل ما للأنصار ، وقد بانوا بسابقتهم . وإنما قدموا في القرآن لتقدمهم في الاسلام . وكما أن المهاجرين الأولين ليسوا كغيرهم من المهاجرين ، وكما أن من أسلم بعد الفتح ليس كمن أسلم قبله ، فكذلك ليس من أسلم والناس كلهم كفار غيره ، كمن أسلم وقد أسلم الناس قبله . وأنت إذا تأملت قول الصديق للأنصار : " إن هذا الامر ليس بخلسة " علمت أنه كان ثابت الجنان ، رابط الجأش ، واثقا بالحجة . عارفا بمواضع الإمامة ، وإنما كانت غايته تقريرهم بفضيلة المهاجرين ، لأنهم إذا صاروا إلى ذلك فلا حاجة به إلى ذكر نفسه وتعريفهم فضله ، لان تبريزه كان بينا على المهاجرين ، وفضله كان ظاهرا على السابقين . والدليل على ذلك أن خوض الأنصار وكلامها لم يكن إلا فيما بين جملة الأنصار وجملة المهاجرين ، قالوا : منا أمير ومنكم أمير . فما هو إلا أن قررهم بفضيلة المهاجرين فلم يكن لهم بعد ذلك متكلم ، حتى أطبقوا جميعا على بيعته هم والمهاجرون من بين جميع المهاجرين - فلا يستطيع أحد أن يدعى أن إنسانا قال من الأنصار : فإن كان لابد أن يكون منكم الامراء فليكن فلان ، فإنه أفضل وأحق بقرابة أو بعمل - فسكتوا معا سكتة واحدة ، وسلموا معا تسليما واحدا .

--> ( 1 ) السرب ، بالفتح : الطريق والوجه والرأي .