الجاحظ

109

العثمانية

ليعلمه ( 1 ) النبي صلى الله عليه أن بحضرته ملائكة قد أرسلهم الله ليمنعوه من المشركين ، ليسكن بذلك روعه ، وتهدأ نفسه ، وليثق بحضور النصر وتعجيل الدفع . وقد علمنا أن الله لم يجعل مع كل مؤمن ملكين يكتبان خيره وشره استذكارا ، ولكن المؤمن إذا شعر بمكانهما كان أقطع له عن ركوب الأدناس ، وأدعى له إلى الاستحياء ، وليعلم أن الامر جد وليس بهزل . فكذلك إحضار الملائكة لأبي بكر . ليكون بشارة النبي صلى الله عليه له بذلك تسكينا لنفسه ، وتعجيلا لبعض ما استحق بالاحتمال والمواساة والصبر ، من الثواب المعجل دون المؤجل . ولقد بلغ من ظهور قصة أبى بكر وصحبته ومرافقته وكونه مع النبي صلى الله عليه في الغار ، أن الروافض مع شدة الاقدام ، والجرأة على تكذيب الناقلين ، لم تقدر على دفعه ورده ، حتى قال منهم قائلون : إنما أخرجه النبي صلى الله عليه خوفا من أن يدل عليه ويسعى بأمره إلى أعدائه ، لأنه كان حسن من النبي بالهجرة ، وعرف ميقاته الذي عزم عليه . وكيف يجوز أن يخاطب الله الناس فيقول : " إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين " والذي به كان النبي صلى الله عليه بائنا قد أبر على الأعداء ( 2 ) وأربى على الكفار ، لان النفاق أعظم من التصريح .

--> ( 1 ) في الأصل : " يعلمه " . ( 2 ) أبر عليهم : غلبهم . وكلمة " أبر " مهملة في الأصل .