الجاحظ
99
العثمانية
في وصية . وهذا ما لا يختلف فيه رجلان من أصحاب الآثار ، وحمال الاخبار . وقد كان أخذ لقوحا وحبشية لرضاع بعض ولده فرد ذلك ( 1 ) في بيت المال . ولما بايع الناس أبا بكر غدا على سوقه كما كان يفعل ، فقالوا : فلابد أن نجعل لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يقيمه ، قالوا : برديه إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مكانهما ، وظهره إذا سافر ، ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل خلافته . قال : رضيت . فجمع ذلك كله وحفظه ، ثم أمر بنى تيم فردوه في بيت المال . فخرج من الدنيا خفيف الظهر ، خميص البطن . فلما فعل ذلك قال عمر : رحم الله أبا بكر ، لقد شق على من بعده ! فإن قالوا : أوليس قد كان على ينضح بيت المال في كل جمعة ويصلى فيه ركعتين ؟ قلنا : إنا لم نكن في ذكر الأمانة والخيانة ، لان أبا بكر وعليا يرتفعان عن هذا الضرب من المديح . وعن هذا الضرب من الثناء ، وإنما كنا في ذكر الزهد في المباح ، وفى الايثار والرفض للفضول ، لان بين الرجل يعطى ماله وعليه ، وبين من يعطى ما عليه ولا يعطى ماله فرق . ومما يدل على فضله أن الله أنزل فيه من القرآن ما لم ينزله في أحد
--> ( 1 ) في الأصل : " في ذلك " .