السرخسي
259
أصول السرخسي
مسح الرأس أيضا ، فإن الوصف الذي عللنا به له زيادة قوة الثبات على الحكم المشهود به ، ألا ترى أن سائر أنواع المسح كالتيمم والمسح على الخف والمسح على الجورب عند من يجيزه والمسح على الجبائر يظهر الخفة فيها بترك اعتبار التكرار ، وليس للوصف الذي علل به قوة الثبات بهذه الصفة ، فإن في الصلاة أركانا كالقيام والقراءة والركوع والسجود ، ثم تمامها يكون بالاكمال لا بالتكرار ، فعرفنا أن الركنية ليس بوصف قوي ثابت في إثبات سنة التكرار به ، وكذلك في الصوم ، فإن صفة العينية قوي ثابت في إسقاط اشتراط نية التعيين فيه حتى يتعدى إلى سائر العبادات ، كالزكاة إذا تصدق بالنصاب على الفقير وهو لا ينوي الزكاة ، والحج إذا أطلق النية ولم يعين حجة الاسلام ، والايمان بالله تعالى . ويتعدى إلى غير العبادات نحو رد الودائع والغصوب ورد المبيع على البائع لفساد البيع . وصفة الفرضية ليس بقوي ثابت في اشتراط نية التعيين بعدما صار متعينا في الصوم لا في غير الصوم . وكذلك ما علل به علماؤنا في أن المنافع لا تضمن بالاتلاف لان ضمان المتلفات مقدر بالمثل بالنص ، وباعتبار ما هو المقصود وهو الجبران ، وبين العين والمنفعة تفاوت في المالية من الوجه الذي ذكرنا ، فلا يجوز أن يوجب على المتلف فوق ما أتلف في صفة المالية ، كما لا يوجب الجيد بإتلاف الردئ . وقال الشافعي رحمه الله : المنافع تضمن بالعقد الجائز والفاسد بالدراهم فتضمن بالاتلاف كالأعيان ، ثم تأثيره تحقق الحاجة إلى التحرر عن إهدار حق المتلف عليه ، فإنه نظير تحقق الحاجة إلى ملك المنفعة بالعوض بالعقد . ثم هو يزعم أن علته أقوى في ثبات الحكم المشهود به عليه من وجهين : أحدهما أنه إذا لم يكن بد من الاضرار بأحدهما فمراعاة جانب المظلوم وإلحاق الخسران بالظالم بإيجاب الزيادة عليه أولى من إهدار حق المظلوم . والثاني أن في إيجاب الضمان إهدار حق الظالم فيما هو وصف محض وهو صفة البقاء ، وفي الأصل هما شيئان وهو كونهما منتفعا به ، غير أن في طرف الظالم فضل صفة وهو البقاء ، فيهدر صيانة الأصل ( هدر ) حق المظلوم .