السرخسي
240
أصول السرخسي
علل به الخصم شاهدا عليه لصاحبه في إثبات ذلك الحكم بعد أن كان شاهدا له ، وهذه معارضة فيها مناقضة ، لان المطلوب هو الحكم ، فالوصف الذي يشهد بإثباته من وجه وينفيه من وجه آخر يكون متناقضا في نفسه ، بمنزلة الشاهد الذي يشهد لأحد الخصمين على الآخر في حادثة ، ثم للخصم الآخر عليه في عين تلك الحادثة فإنه يتناقض كلامه ، بخلاف المعارضة بعلة أخرى فإنه لا يكون فيها معنى التناقض ، بل للاشتباه يتعذر العمل إلى أن يتبين الرجحان لأحدهما على الآخر ، فأما ما يشهد لك على خصمك وبخصمك عليك في حادثة واحدة في وقت واحد بأنه يتحقق فيه التعارض مع التناقض . وبيان ذلك فيما علل به الشافعي في صوم رمضان بمطلق النية إنه صوم فرض فلا يتأدى إلا بتعيين النية كصوم القضاء . فإنما نقلب عليه فنقول : إنه صوم فرض فبعد ما تعين مرة لا يشترط لأدائه تعيين بنية أخرى كصوم القضاء . وعلل في سنة التكرار في المسح بالرأس فإنه ركن في الوضوء فيسن تثليثه كغسل الوجه واليدين . فإنا نقلب عليه فنقول : ركن في الوضوء فبعد إكماله بالزيادة على المفروض في محل الفريضة لا يسن تثليثه كالمغسولات ، وإقامة الفرض هنا يحصل بمسح الربع وبالاستيعاب يحصل الاكمال بالزيادة على الفريضة في محل الفريضة ، كما في المغسولات بالغسل ثلاثا يحصل الاكمال بالزيادة على القدر المفروض وهو الاستيعاب في محل المفروض . فإن قيل : هذا القلب إنما يتأدى بزيادة وصف ، وبهذه الزيادة يتبدل الوصف ويصير شيئا آخر فيكون هذا معارضة لا قلبا . قلنا : نعم في هذا زيادة وصف ولكنها تفسير للحكم على وجه التقرير له لا على وجه التغيير ، فإنا نبين بهذه الزيادة أن صوم رمضان لما تعين مشروعا في الزمان وغيره ليس بمشروع كان قياسه من القضاء ما بعد التعيين بالشروع فيه ، والاستيعاب في المسح بالرأس لما لم يكن ركنا كان قياسه من المغسولات بعد حصول الاستيعاب ما إذا حصل الاكمال في المغسولات بالزيادة بعد الاستيعاب ، فيكون تقريرا لذلك الوصف بهذا التفسير لا تغييرا .