السرخسي
225
أصول السرخسي
والاجتهاد بقدر الوسع ، وهذا يصلح لابلاء العذر وللدفع ولا يصلح للاحتجاج به على غيره ، لان المتأمل وإن بالغ في النظر فالخصم يقول قام الدليل عندي بخلافه ، وبالتأمل والاجتهاد لا يبلغ المرء درجة يعلم بها يقينا أنه لم يخف عليه شئ من الأدلة ، بل يبقى له احتمال اشتباه بعض الأدلة عليه ، وما كان في نفسه محتملا عنده لا يمكنه أن يحتج به على غيره . والثالث : استصحاب حكم الحال قبل التأمل والاجتهاد في طلب الدليل المغير وهذا جهل ، لان قبل الطلب لا يحصل له شئ من العلم بانتفاء الدليل المغير ظاهرا ولا باطنا ، ولكنه يجهل ذلك بتقصير منه في الطلب ، وجهله لا يكون حجة على غيره ولا عذرا في حقه أيضا إذا كان متمكنا من الطلب إلا أن لا يكون متمكنا منه . وعلى هذا قلنا : إذا أسلم الذمي في دار الاسلام ولم يعلم بوجوب العبادات عليه حتى مضى عليه زمان فعليه قضاء ما ترك ، بخلاف الحربي إذا أسلم في دار الحرب ولم يعلم بوجوب العبادات عليه حتى مضى زمان . وعلى هذا قلنا : من لم يجتهد بعد الاشتباه في أمر القبلة حتى صلى إلى جهة فإنه لا تجزيه صلاته ما لم يعلم أنه أصاب ، بخلاف ما إذا اجتهد وصلى إلى جهة فإنه تجزيه صلاته وإن تبين أنه أخطأ . والنوع الرابع : استصحاب الحال ( لاثبات الحكم ابتداء ، وهذا خطأ محض وهو ضلال محض ممن يتعمده لأن استصحاب الحال ) كاسمه ، وهو التمسك بالحكم الذي كان ثابتا إلى أن يقوم الدليل المزيل ، وفي إثبات الحكم ابتداء لا يوجد هذا المعنى ، ولا عمل لاستصحاب الحال فيه صورة ولا معنى ، وقد بينا في مسألة المفقود أن الحياة المعلومة باستصحاب الحال يكون حجة في إبقاء ملكه في ماله على ما كان ، ولا يكون حجة في إثبات الملك له ابتداء في مال قريبه إذا مات . وبعض أصحاب الشافعي يجعلونه حجة في ذلك ، لا باعتبار أنهم يجوزون إثبات الحكم ابتداء باستصحاب الحال ، بل باعتبار أنه يبقى للوارث