السرخسي
221
أصول السرخسي
الاثبات فيما لا يعلم ثبوته بدليله ، فكما أن هناك يستوي المثبت والنافي في أن قول كل واحد منهما لا يكون حجة على خصمه بغير دليل فكذلك هنا ، وله فارق العام فإنه موجب للحكم في كل ما تناوله قطعا على احتمال قيام دليل الخصوص ، فما لم يظهر دليل الخصوص كان الحكم ثابتا بنص موجب له ، وهنا الدليل المثبت للحكم غير متعرض للأزمنة أصلا فلا يكون ثبوته في الأزمنة بعد قيام الدليل بدليل مثبت له ، ولهذا لا يكون قيام دليل النفي من دليل الخصوص في شئ بل يكون نسخا ، كما بيناه في باب النسخ ، يوضحه أنه لما لم يكن ذلك الدليل عاملا الآن في شئ صار قول المتمسك به لا دليل على ارتفاعه كلاما محتملا ، كما أن قول خصمه قام الدليل على ارتفاعه كلام محتمل فتتحقق المعارضة بينهما على وجه لا يكون زعم أحدهما حجة على الآخر ما لم يرجح قوله بدليل . وعلى هذا الأصل قلنا في الصلح على الانكار إنه جائز ، لان الدليل المثبت لبراءة ذمة المنكر أو للملك له فيما في يده غير متعرض للبقاء أصلا فكان دعوى المدعي أن المدعي حقي وملكي خبرا محتملا ، وإنكار المدعى عليه لذلك خبر محتمل أيضا فكما لا يكون خبر المدعي حجة على المدعى عليه في إلزام التسليم إليه لكونه محتملا ، فكذلك خبر المدعي عليه لا يكون حجة على المدعي في فساد الاعتياض عنه بطريق الصلح ، ولهذا لو صالحه أجنبي على مال جاز بالاتفاق ، ولو ثبت براءة ذمته في حق المدعي بدليل كما ذكره الخصم لم يجز صلحه مع الأجنبي ، كما لو أقر أنه مبطل في دعواه ثم صالح مع أجنبي . والدليل عليه فصل الشهادة بعتق العبد على مولاه فإن الشاهد إذا اشتراه صح الشراء ولزمه الثمن لهذا المعنى ، وهو أن ما أخبر به الشاهد لكونه محتملا لم يصر حجة على مولى العبد حتى جاز له الاعتياض عنه بالبيع من غيره ، فيجوز له الاعتياض عنه بالبيع من الشاهد وإن كان زعمه معتبرا في حقه حتى إنه يعتق كما اشتراه لا من جهته حتى لا يكون ولاؤه له ، وما كان ذلك إلا بالطريق الذي قلنا ، فإن الدليل الموجب للملك للمولى لا يكون دليل بقاء ملكه بل بقاء الملك بعد ثبوته لاستغنائه عن الدليل المنفي . وعلى هذا الأصل قلنا : مجهول الحال يكون حرا باعتبار الظاهر ، ولكن لو جنى عليه جناية