السرخسي
17
أصول السرخسي
فيما وراء ذلك الحكم محتمل للانتقال ، فإن الكلام في حكم يحتمل النسخ ، وشرط العمل بالقياس أن يكون مبتلى بطلب الطريق باعتبار أصل الوضع شرعا ، فإذا استقر رأيه على أن الصواب هو الآخر كان عليه أن يعمل في المستقبل . وعلى هذا الأصل قلنا : إذا طلق إحدى امرأتيه بعينها ثم نسي أو أعتق أحد المملوكين بعينه ثم نسي لا يثبت له خيار البيان ، لان الواقع من الطلاق والعتاق لا يحتمل الانتقال من محل إلى محل آخر ، وإنما ثبتت المعارضة بين المحلين في حقه لجهله بالمحل الذي عينه عند الايقاع وجهله لا يثبت الخيار له شرعا ، وبمثله لو أوجب في أحدهما بغير عينه ابتداء كان له الخيار في البيان ، لان تعيين المحل كان مملوكا له شرعا كابتداء الايقاع ، ولكنه بمباشرة الايقاع أسقط ما كان له من الخيار في أصل الايقاع ، ولم يسقط ما كان له من الخيار في التعيين فيبقى ذلك الخيار ثابتا له شرعا ، ومما يثبت فيه حكم التعارض سؤر الحمار والبغل ، فقد تعارضت الأدلة في الحكم بطهارته ونجاسته ، وقد بينا هذا في فروع الفقه ، ولكن لا يمكن المصير إلى القياس بعد هذا التعارض ، لان القياس لا يصلح لنصب الحكم به ابتداء فوجب العمل بدليل فيه بحسب الامكان وهو المصير إلى الحال ، فإن الماء كان طاهرا في الأصل فيبقى طاهرا . نص عليه في غير موضع من النوادر ، حتى قال : لو غمس الثوب في سؤر الحمار تجوز الصلاة فيه ولا يتنجس العضو أيضا باستعماله ، لأنه عرق طاهر في الأصل . وهذا الدليل لا يصلح أن يكون مطلقا أداء الصلاة به وحده ، لان الحدث كان ثابتا قبل استعماله فلا يزول باستعماله بيقين ، فشرطنا ضم التيمم إليه حتى يحصل التيقن بالطهارة المطلقة لأداء الصلاة . وكذلك الخنثى إذا لم يظهر فيه دليل يترجح به صفة الذكورة أو الأنوثة فإنه يكون مشكل الحال يجعل بمنزلة الذكور في بعض الأحكام وبمنزلة الإناث في البعض ، على حسب ما يدل عليه الحال في كل حكم . وكذلك المفقود فإنه يجعل بمنزله الحي في مال نفسه حتى لا يورث عنه وبمنزلة الميت في الإرث من الغير ، لان أمره مشكل فوجب المصير إلى الحال لأجل الضرورة والحكم بما يدل عليه الحال في كل حادثة .