السرخسي
15
أصول السرخسي
لم يجوز التحري في الفروج أصلا عند اختلاط المعتقة عينا بغير المعتقة ، لأن جواز ذلك باعتبار الضرورة ولا مدخل للضرورة في إباحة الفرج بدون الملك بخلاف الطعام والشراب . ثم إذا عمل بأحد القياسين وحكم بصحة عمله باعتبار الظاهر يصير ذلك لازما له حتى لا يجوز له أن يتركه ويعمل بالآخر من غير دليل موجب لذلك . وعلى هذا قلنا في الثوبين : إذا كان أحدهما طاهرا والآخر نجسا وهو لا يجد ثوبا آخر فإنه يصير إلى التحري لتحقق الضرورة ، فإنه لو ترك لبسهما لا يجد شيئا آخر يقيم به فرض الستر الذي هو شرط جواز الصلاة ، وبعدما صلى في أحد الثوبين بالتحري لا يكون له أن يصلي في الثوب الآخر ، لأنا حين حكمنا بجواز الصلاة في ذلك الثوب فذلك دليل شرعي موجب طهارة ذلك الثوب ، والحكم بنجاسة الثوب الآخر فلا تجوز الصلاة فيه بعد ذلك إلا بدليل أقوى منه . فإن قيل : أليس أنه لو تحرى عند اشتباه القبلة وصلى صلاة إلى جهة ثم وقع تحريه على جهة أخرى يجوز له أن يصلي في المستقبل إلى الجهة الثانية ، ولم يجعل ذلك دليلا على أن جهة القبلة ما أدى إليه اجتهاده في الابتداء ؟ قلنا : لان هناك الحكم بجواز الصلاة إلى تلك الجهة لا يتضمن الحكم بكونها جهة الكعبة لا محالة ، ألا ترى أنه وإن تبين له الخطأ بيقين بأن استدبر الكعبة جازت صلاته ، وفي الثوب من ضرورة الحكم بجواز الصلاة في ثوب الحكم بطهارة ذلك الثوب ، حتى إذا تبين أنه كان نجسا تلزمه إعادة الصلاة ، والعمل بالقياس من هذا القبيل ، فإن صحة العمل بأحد القياسين يتضمن الحكم بكونه حجة للعمل به ظاهرا ، ولهذا لو تبين نص بخلافه بطل حكم العمل به ، فلهذا كان العمل بأحد القياسين مانعا له من العمل بالقياس الآخر بعد ما لم يتبين دليل أقوى منه . ووجه آخر أن التعارض بين النصين إنما يقع لجهلنا بالتاريخ بينهما والجهل لا يصلح دليلا على حكم شرعي من حيث العلم لا من حيث العمل ، والاختيار حكم شرعي لا يجوز أن يثبت باعتبار هذا الجهل . فأما التعارض بين القياسين باعتبار كون كل واحد منهما صالحا للعمل به في أصل الوضع وإن كان أحدهما صوابا حقيقة والآخر خطأ ، ولكن من حيث الظاهر هو معمول