الشيخ الطوسي

489

العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )

الغايات ، ولذلك لم يصحّ ما قاله بعض أصحاب الشّافعي من أنّ قوله تعالى : فأمسكوهنّ في البيوت حتّى يتوفاهنّ الموت أو يجعل الله لهنّ سبيلا ( 1 ) لا يجوز أن يكون منسوخا بقوله : « قد جعل الله لهنّ سبيلا البكر بالبكر جلد مائة » ( 2 ) الحديث ، لأنّ الآية وإن كانت مشروطة بالسّبيل ، فهي غاية غير معلومة إلَّا بدليل لولاه لكان الحكم ثابتا فيه . ويفارق ذلك تعليق الحكم بغاية يجب انقطاعه عندها ، كتعليقه بالموت لأنّ ذلك إنّما يزول بحصول ذلك لا بدليل آخر شرعيّ ، وهذا ظاهر . ومن حدّ النّاسخ أن يكون في حكم المنسوخ في وقوع العلم به ، أو العمل ، على ما سنذكره من أنّ خبر الواحد لا ينسخ به الكتاب . ومن شرطه أيضا : أن لا يكون قياسا ، ولا ما يجري مجراه من الأدلَّة المستنبطة عند المخالف ، ونحن ندلّ على ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى . وليس من شرط النّاسخ ، أن يكون لفظ المنسوخ متناولا له ، لأنّه لا يمتنع أن تدلّ الدّلالة على أنّ المراد بالأمر المطلق تكرار الفعل ، فيكون سبيله سبيل الأمر المقيّد بما يقتضي التّكرار في أنّ النّسخ يصحّ فيه ، وعلى هذا النّسخ في الشّريعة ، لأنّه ليس شيء من ألفاظ المنسوخ ظاهره يقتضي التّكرار ، وإنّما علم ذلك من حاله بدليل ، وهذا بيّن لأنّه كما لا يمتنع نسخ الفعل وما شاكله من الشّرعيّات ، وإن لم يكن ذلك كلاما ، لا يمتنع أن يعلم بدليل أنّ المراد بالأمر التّكرار ، فيعترضه النّسخ . ويفارق التّخصيص الَّذي قد بيّنا أنّه لا يصحّ دخوله إلَّا فيما يتناوله اللَّفظ العام من هذا الوجه . وليس من شرط النّاسخ أن لا يتأخّر عن المنسوخ ، كما قلنا في تخصيص العام ،

--> ( 1 ) النساء : 15 . ( 2 ) أخرج الحديث مسلم والدارمي ، والتّرمذي ، وابن ماجة ، وأبو داود ، وابن حنبل ، كلَّهم في كتاب الحدود ، انظر أيضا : تفسير التبيان 3 : 143 .