الشيخ الطوسي
747
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )
كلّ ما يصحّ الانتفاع به ولا ضرر على أحد فيه عاجلا ولا آجلا فإنّه حسن ، كما يعلم أنّ كلّ ألم لا يقع فيه عاجلا ولا آجلا قبيح ، فدافع أحد الأمرين كدافع الآخر ، وإذا ثبت ذلك وكانت هذه الأشياء لا ضرر فيها عاجلا ولا آجلا فيجب أن تكون حسنة . قالوا : ولا يجوز أن يكون فيها ضرر أصلا ، لأنّه لو كان كذلك لم يكن إلَّا لكونها مفسدة في الدّين ، ولو كان كذلك لوجب على القديم تعالى إعلامنا ذلك ، فلمّا لم يعلمنا ذلك علمنا أنّه حسنة . وقد مضى في دليلنا ما يمكن أن يكون كلامنا على هذه الشّبه ، وذلك أنّا قلنا : إنّ هذه الأشياء لا نأمن أن تكون فيها ضرر آجل وإذا لم نأمن ذلك قبح الإقدام عليها ، كما لو قطعنا أنّ فيها ضررا . وأجبنا عن قولهم : « لو كان فيهم ضرر لكان ذلك لأجل المفسدة ، وذلك يجب على القديم إعلامنا إيّاه « بأن قلنا : لا يمتنع أن تتعلَّق المفسدة بإعلامنا جهة الفعل على وجه التّفصيل ، ويكون مصلحتنا في الوقف والشكّ ، وتجويز كلّ واحد من الوجهين في الفعل ، وإذا كان ذلك جائزا لم يجب عليه تعالى إعلامنا ذلك ، وجاز أن يقتصر بالمكلَّف على هذه المنزلة . واستدلَّوا أيضا بأن قالوا : إذا صحّ أن يخلق تعالى الأجسام خالية من الألوان والطَّعوم ، فخلقته تعالى للطَّعم واللَّون لا بدّ أن يكون فيه وجه حسن ، فلا يخلو ذلك من أن يكون لنفع نفسه ، أو لنفع الغير ، أو خلقها ليضرّ بها ؟ ولا يجوز أن يخلقها لنفع نفسه ، لأنّه يتعالى عن ذلك علوّا كبيرا . ولا يحسن أن يخلقها ليضرّ بها ، لأنّ ذلك قبيح الابتداء به ، فلم يبق إلَّا أنّه خلقها لنفع الغير ، وذلك يقتضي كونها مباحة . والجواب عن ذلك من وجوه : أحدها : أنّه إنّما خلق هذه الأشياء إذا كانت فيها ألطاف ومصالح ، وإن لم يجز لنا أن ننتفع بها بالأكل ، بل نفعنا بالامتناع منها ، فيحصل لنا بها الثواب ، كما أنّه خلق أشياء كثيرة يصحّ الانتفاع بها ، ومع ذلك فقد حظرها بالسّمع مثل شرب الخمر ،