الشيخ الطوسي
671
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )
الوجوب ، علمناه واجبا » ، فهو أنّ من علم بالعقل ردّ الوديعة مع المطالبة علم وجوبه ، ومتى لم يعلم ذلك لم يعلم وجوبه ، وكذلك من علم الفعل ظلما علم قبحه ، فإن شكّ في كونه ظلما لم يعلم القبح ، وكما وجب هذا ، فهكذا أيضا متى علم كون الفعل الَّذي هو ردّ الوديعة واجبا علمه ردّا للوديعة ، فتعلَّق كلّ واحد من الأمرين بصاحبه ( 1 ) كتعلَّق صاحبه به . فإن قيل : من أين قلتم : إنّ الواجبات في الشّرع لا تجب إلَّا لكونها ألطافا ؟ ثمّ من أين قلتم : إنّ ذلك لا يعلم من حالها إلَّا بالسّمع ليتمّ ما ذكرتموه ؟ قلنا : لأنّ وجوبها إذا ثبت وكان لا بدّ له من وجه لم يخل من القسمين اللَّذين قدّمناهما ، وهما إمّا صفة يختصّ الفعل ولا يتعدّاه ، أو لتعلَّقه بغيره على وجه اللَّطف ، وليس يجوز في الشّرعيّات الوجه الأوّل ، لأنّه لو وجبت لصفة تخصّها تجري مجرى ردّ الوديعة في أنّه وجه الوجوب ، لوجب أن يعلم ( على ) ( 2 ) تلك الصّفة ، ويعلم وجوبها متى علمناها ، لأنّه لا يصحّ أن يجب لصفة تختصّ بها ولا تختصّ بها ، ولا يصحّ أيضا أن يعلم علَّتها ولا يعلم وجوبها ، وقد علمنا أنّ الصّلاة وسائر الشّرعيّات يعلم بالعقل صفاتها ، وإن لم يعلم وجوبها ، فدلّ ذلك على بطلان القسم الأوّل ولم يبق إلَّا الثّاني . وإذا ثبت أنّها تجب للألطاف ، ولم يكن للعقل ( 3 ) دليل على أنّ وقوع بعض الأفعال منّا ، نختار عنده فعلا آخر ، لأنّ العقل لا يدلّ على ما يختاره الإنسان أو لا يختاره ، ولأنّ دلالة العقل أيضا طريقتها واحدة ولم يصحّ أن يدلّ على الشّيء ونفيه ، والحكم وضدّه - كما تراه في الشّرائع - من اختلاف المكلَّفين ، والنّاسخ والمنسوخ ، فلم يبق إلَّا أنّ الطَّريق إليها السّمع ، ولولا ما ذكرناه لما احتيج في معرفة المصالح الشّرعيّة إلى بعثة الأنبياء عليهم السّلام .
--> ( 1 ) في الأصل : كصاحبه . ( 2 ) زيادة من الأصل . ( 3 ) في العقل .