الشيخ الطوسي

655

العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )

والظَّنّ في كلّ هذه الوجوه لا يقوم مقام العلم ، لأنّه متى لم يكن عالما بما ذكرناه أوّلا ، أو متمكَّنا من العلم به ، لم يكن علَّته مزاحة فيما تعبّد به ، وجرى مجرى أن لا يكون قادرا ، لأنّه متى لم يعلم الفعل ويميّزه لم يتمكَّن من القصد إليه بعينه ، وبالظَّنّ لا يتميّز الأشياء ، وإنّما تتميّز بالعلم ، ومتى لم يكن عالما بوجوب الفعل كان مجوّزا كونه غير واجب ، فيكون متى أقدم عليه مقدّما على ما لا يأمن كونه قبيحا ، والإقدام على ذلك في القبح يجري مجرى الإقدام على ما يعلم قبحه . ومتى علم كونه واجبا ، فلا بدّ من أن يعلم وجه وجوبه على جملة أو تفصيل ، لأنّه لو كان ظانّا لوجه وجوبه كان مجوّزا انتفاء وجه الوجوب عنه ، وعاد الأمر إلى تجويز كونه غير واجب . وهذه الجملة إذا تؤمّلت بطل بها قول من أنكر تعلَّق الأحكام بالظَّنون . ومن توهّم على من سلك هذه الطَّريقة أنّه قد أثبت الأحكام بالظَّنون فقد أبعد نهاية البعد ، لأنّ الأحكام لا تكون إلَّا معلومة ولا تثبت إلَّا من طريق العلم ، إلَّا أنّ الطَّريق إليها قد يكون تارة العلم وأخرى الظَّن ، لأنّا ( 1 ) إذا ظننا في طريق سبعا وجب علينا تجنّب سلوكه ، فالحكم الَّذي هو قبح سلوكه ووجوب تجنّبه معلوم لا مظنون . وإن كان الطَّريق إليه هو الظَّن ، ومتعلَّق الظَّن غير متعلَّق العلم ، لأنّ الظَّنّ يتعلَّق بكون السّبع في الطَّريق ، والعلم يتعلَّق بقبح سلوك الطَّريق ، والقول في العلم بوجوب التّوجّه إلى جهة القبلة عند الظَّنّ بأنّها في بعض الجهات يجري على ما ذكرناه ، ويكون الحكم فيه معلوما وإن كان الطَّريق إليه مظنونا . فأمّا من منع من القياس من حيث يؤدّي إلى تضادّ الأحكام ، فاعتماده على أن يقول : إذا كان للفرع شبه بأصل محرّم وأصل محلَّل ، فلا بدّ على مذهب القائسين ( 2 ) من ردّه إليهما جميعا ، وهذا يؤدّي في العين الواحدة إلى أن يكون محرّمة محلَّلة .

--> ( 1 ) لأننا . ( 2 ) القائلين بالقياس .